موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٥ - مقتل سعيد بن جبير مولى بني أسد
الحجّاج: أيّهم أعجب إليك؟قال: يفضل بعضهم على بعض، قال: صف لي قولك في علي!أفي الجنة هو أم في النار؟قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، و لو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب! قال الحجّاج: فأيّ رجل أنا يوم القيامة؟!قال سعيد: أنا أهون على اللّه من أن يطلعني على الغيب!قال: أبيت أن تصدقني!قال سعيد: بل لم أرد أن اكذبك!قال الحجّاج: فدع عنك هذا كلّه، و أخبرني ما لك لم تضحك قّط؟قال: و كيف يضحك مخلوق من طين و الطين تأكله النار و منقلبه إلى الجزاء، و اليوم يصبح و يمسي في الابتلاء!قال الحجّاج: فأنا أضحك. قال سعيد: كذلك خلقنا اللّه أطوارا!قال الحجّاج: هل رأيت شيئا من اللهو؟قال: لا أعلمه. فدعا الحجّاج بالعود و الناي و أمر بضربهما، فلمّا ضرب بالعود و نفخ في الناي بكى!قال: ما يبكيك؟قال: أما هذه النفخة فذكّرتني يوم النفخة في الصور!و أمّا هذه المصران فمن نفس هي معك إلى الحساب، و أما هذا العود فقد نبت بالحقّ و قطع لغير الحقّ!فقال الحجّاج: أنا قاتلك!قال سعيد: قد فرغ من تسبّب موتي. قال الحجّاج: أنا أحب إلى اللّه منك! قال سعيد: لا يقدم أحد على ربّه حتّى يعرف منزلته منه، و اللّه أعلم بالغيب. قال الحجّاج: كيف لا أقدم على ربّي في مقامي هذا و أنا مع إمام الجماعة و أنت مع إمام الفرقة و الفتنة؟!قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة و لا أنا براض بالفتنة، و لكنّ قضاء الربّ نافذ لا مردّ له.
قال الحجّاج: كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟و دعا بذهب و فضة و جواهر و كسوة!
فقال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه!قال: و ما شرطه؟قال: أن تشتري له بما تجمع من هذا الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة!و إلاّ فإنّ كلّ مرضعة تذهل عمّا أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها، و لا ينفعه إلاّ ما طاب منه. قال:
فترى جمعنا طيبا؟قال: برأيك جمعته فأنت أعلم بطيبه. قال: أتحبّ أن يكون لك