موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - موقف ابن الحنفية
موقف ابن الحنفية:
طبيعيّ أن يكون ما فهمه المقبريّ قد فهمه غيره و لا سيّما من بني هاشم، و منهم أخو الحسين: محمّد بن علي المعروف بابن الحنفيّة، و كان يعلم بحق أخيه الحسين عليه السّلام في الخلافة بشرط أخيه الحسن عليه السّلام على معاوية في عقد الصلح، و يعرف استنكاف الحسين عليه السّلام و إباءه البيعة ليزيد على عهد معاوية، فما دعا أخاه الحسين عليه السّلام إلى ذلك، و لا إلى الإقامة بالمدينة و عدم خروجه منها، و كأنّه كان يرجو اجتماع الناس عليه و يخاف من الاختلاف فيه و عليه، فجاءه و قال له:
يا أخي؛ أنت أحبّ الناس إليّ و أعزّهم عليّ، فلست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك: تنحّ ببيعتك عن يزيد... و انزل مكّة، فإن اطمأنّت بك الدار فسبيل ذلك، و إن نبت لحقت بالرمال و شعف الجبال (رؤوسها) و خرجت من بلد إلى بلد... و (تنحّ) عن الأمصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك و انظر إلى ما يصير أمر الناس... فإن بايعوك حمدت اللّه على ذلك، و إن أجمعوا على غيرك... لم ينقص اللّه بذلك دينك و لا عقلك، و لا تذهب به مروءتك و لا فضلك (فلا تنازع في الأمر؟!) .
فإنّي أخاف أن تدخل مصرا من هذه الأمصار (؟البصرة و الكوفة!) تأتي جماعة الناس فيختلفون فيما بينهم: فطائفة معك و أخرى عليك (كما صار إليه المصران) فيقتتلون، فتكون لأوّل الأسنة غرضا (كما صار إليه أخونا في المدائن) فإذا خير هذه الأمّة أبا و أمّا و نفسا أذلّها أهلا و أضيعها دما!و إنّك حين تستقبل الأمور استقبالا (قبل وقوعها مفكّرا فيها و مدبّرا لها) تكون أصوب رأيا و أحزم عملا.