موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٦ - خطبة الحجّاج في الكوفة
فتوجّه الحجّاج و معه أربعة آلاف من أخلاط الناس و ألفا رجل من مقاتلة الشاميّين [١] .
فلمّا بلغ القادسيّة أمر الجيش أن يقيلوا ثمّ يروحوا وراءه، و لبس ثياب السفر و تعمّم بعمامته، و دعا بجمل عليه قتب فجلس عليه بغير حشية و لا وطاء! و أخذ الكتاب بيده حتّى دخل الكوفة وحده فجعل ينادي: الصلاة جامعة!حتّى صعد المنبر متلثّما متنكّبا قوسه، فجلس عليه، و في المسجد رجال جلوس في مجالسهم مع كلّ منهم العشرون و الثلاثون و أكثر من ذلك من أهله و مواليه. فمن قائل يقول: أعرابي ما أبصر محجّته (طريقه) و من قائل يقول: حصر الرجل فما يقدر على الكلام!و قال بعضهم لبعض: قوموا حتّى نحصبه!
و دخل محمّد بن عمير الدارمي التميمي في مواليه، فلمّا رأى الحجّاج جالسا على المنبر لا ينطق قال: لعن اللّه بني أميّة حين يولّون العراق مثل هذا! و اللّه لو وجدوا أذمّ من هذا لبعثوه إلينا!ثمّ ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه فقال له بعض أهله: أصلحك اللّه اكفف عن الرجل حتّى نسمع ما يقول. فلمّا غصّ المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام و نحّى العمامة عن رأسه و قال:
أنا ابن جلا، و طلاّع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني
ثمّ ما حمد اللّه و لا أثنى عليه و لا صلّى على نبيّه و قال: إنّي و اللّه لأرى أبصارا طامحة و أعناقا متطاولة، و رؤوسا قد أينعت و حان قطافها!و إنّي صاحبها: كأنّي أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم و اللحى!ثمّ ارتجز ببعض أراجيز الحروب ثمّ قال:
[١] الإمامة و السياسة ٢: ٣٢.