موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٣ - معركة التوّابين في عين الوردة
و عبّر الخبر عمّن شهد قتال التوابين و الشاميّين في اليوم الثاني: الخميس قال: فغدوا علينا و غاديناهم فقاتلناهم. و لعلّه يعني أنّ الشاميّين بدؤوهم، و يقول: قتالا لم ير الشيب و المرد مثله قط، يومنا كلّه. و إنّما حجزت الصلاة (للظهر و العصر) بيننا و بين القتال، حتّى أمسينا، فتحاجزنا؛ و قد أكثروا فينا الجراح، و أفشيناها فيهم. و في أوّل النهار في هذا اليوم الثاني من القتال جرح أبو الجويرية العبدي (البصري) فلزم رحله، و كان يحثّ الناس على القتال.
و مثله في عمله كان صخير بن حذيفة المرّي، ففي مساء اليوم الثاني الخميس ليلة الجمعة كان يدور الليل كلّه في التوابين و يقول لهم: عباد اللّه أبشروا بكرامة اللّه و رضوانه، فو اللّه إنّه لحقّ لمن ليس بينه و بين الراحة من إبرام الدنيا و أذاها و دخول الجنة و لقاء الأحبة إلاّ فراق هذه النفس الأمّارة بالسوء، حقّ له أن يكون سخيّا بفراق نفسه و مسرورا بلقاء ربّه!
و في اليوم الثالث يوم الجمعة أيضا يظهر أنّ الحصين السكوني هو الذي بدأ فخرج إليهم في عشرة آلاف، فاقتتلوا قتالا شديدا إلى ارتفاع الضّحى، ثمّ تكاثر أهل الشام على العراقيين و تعطّفوا عليهم من كلّ جانب.
فلمّا رأى سليمان ذلك نزل و نادى: من أراد «التوبة» من ذنبه و «الوفاء» بعهده و البكور إلى ربّه فإليّ يا عباد اللّه!فنزل معه ناس كثير، فكسر جفن سيفه فكسروا جفون سيوفهم و مشوا معه فقاتلوهم، و نزل سائر الرجال يشتدّون مصلّتين سيوفهم و قد كسروا جفونها، فقاتلوهم فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، و أكثروا الجراح فيهم.
فلمّا رأى الحصين ذلك أمر رماته يرمونهم بنبالهم، و فيهم يزيد بن الحصين السكوني رمى سليمان بسهم-و هو في التسعين من عمره-فوقع.
فأخذ الراية المسيّب الفزاري و قال له: رحمك اللّه يا أخي!فقد صدقت و «وفيت» بما عليك، و بقي ما علينا. ثمّ شدّ بالراية فقاتل ساعة ثمّ رجع، ثمّ شدّ بها فقاتل ثمّ رجع، و هكذا حتّى قتل رحمه اللّه.