موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١١ - خطبة سليمان و رحيلهم إلى كربلاء
تجارا و للآخرة تجّارا؛ فأمّا تاجر الآخرة فساع إليها متنصّب (متعب) بتطلابها، لا يشتري بها ثمنا، لا يرى إلاّ قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا، لا يطلب ذهبا و لا فضّة و لا دنيا و لا لذّة. و أمّا تاجر الدنيا، فمكبّ عليها راتع فيها لا يبتغي بها بدلا.
فعليكم-يرحمكم اللّه-في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، و بذكر اللّه كثيرا على كلّ حال، و تقرّبوا إلى اللّه بكلّ خير قدرتم عليه، حتّى تلقوا هذا العدوّ و المحلّ «القاسط» فتجاهدوه؛ فلن تتوسّلوا إلى ربّكم بشيء هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد و الصلاة، فإنّ الجهاد سنام العمل.
جعلنا اللّه و إيّاكم من العباد الصالحين المجاهدين، الصابرين على اللأواء.
و إنّا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء اللّه، فادلجوا.
و في عشيّة الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة (٦٥ هـ) دعا سليمان: حكيم بن منقذ أن ينادي في الناس بالرحيل و أن لا يبيتنّ أحد حتّى نبلغ دير الأعور، فنادى بذلك و ارتحل أكثر من معه و تخلّف كثير منهم!و باتوا بدير الأعور، متّجهين إلى كربلاء في طريقهم إلى الشام.
ثمّ سار حتّى نزل منزل أقساس مالك على شاطئ الفرات، و هناك استعرضهم، فتبيّن تخلّف نحو ألف رجل!فقال سليمان لهم: ما احبّ أن كان معكم من تخلّف عنكم و لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مََا زََادُوكُمْ إِلاََّ خَبََالاً [١] و كَرِهَ اَللََّهُ اِنْبِعََاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [٢] و خصّكم بفضله فاحمدوا ربّكم.
و خرجوا من منزل أقساس مساء فأصبحوا في كربلاء [٣] .
[١] التوبة: ٤٧.
[٢] التوبة: ٤٦.
[٣] تاريخ الطبري ٥: ٥٨٨، ٥٨٩ عن أبي مخنف.