منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٦٢ - النقطة الأولى التعبّد في الدين
و بكلّ شيء محيط، فإنّ كتاب الأحكام و التشريعات فيه محكمات و متشابهات، و لا يصحّ لنا إذا رأينا المتشابه أن نرفع يدنا عن المحكم، و نتخيّل وجود العبث في الخلق أو في التشريع وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [١].
إنّ من الضروري للإنسان أن يعرف أنّ حياته الدّنيا بالنسبة إلى حياته الآخرة، إنّما هي كحياة الجنين في رحم أمّه بالنسبة إلى حياته في الدّنيا، فالجنين مهما كان له عقل و شعور، لا يمكنه أن يفهم وجه الحكمة من خلق أعضائه و قواه، و لما ذا يكوّن اللّه له جهاز البصر و السمع و التنفّس، و ما هي الفائدة له من هذه الأعضاء، و ما هي الحكمة من تكوين جهاز إدراكه و تفكّره و تعقّله، لكنّه عند ما يخرج إلى الدّنيا يفهم ذلك!
و كذلك جنين روح الإنسان الذي يعيش في رحم الطبيعة، لا بدّ له أن يتجهّز بأعضاء و قوى، هي الوسائل لحياته الأبدية، و لا يكون ذلك إلّا بتطبيقه تعاليم ربّه و أحكامه، و سوف تتّضح له الحكمة من هذه التعاليم عند ما يضع قدمه في عالم الآخرة، و يعرف أنه كان كالجنين في عالم الدّنيا!
لهذا كان التعبّد بأحكام الدين من ضروريّات خلقة الإنسان، بل من ضروريّات تكامله، ذلك أنّ قيمة العامل بعمله، و قيمة العمل بنيّته و الدافع إليه و المحرّك إلى فعله، و قد أرشد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى هذه الحقيقة بقوله:
(إنّما الأعمال بالنيّات و لكلّ امرئ ما نوى)
[٢]. و لهذا كان من صفات المقرّبين و مقامهم أنّهم يطيعون اللّه تعالى، للّه فقط، بقطع
[١] سورة آل عمران: ٧.
[٢] تهذيب الأحكام ج ٤ ص ١٨٦.