منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٣٦٣ - كراماته
و مع أنّ العالي لا يميل إلى السافل، و من في الملكوت لا يلتفت إلى عالم الملك فقد انقلب قبره بمجاورة جسده الشريف، فصار أرفع من السماوات و مقامات الملأ الأعلى، و لهذا يقول الإمام (عليه السلام): ليس من ملك حتّى الكروبيين، و لا من نبيّ حتّى أولي العزم من المرسلين إلّا و يسألون اللّه الإذن في زيارة قبره (عليه السلام)، فهم ينالون في زيارة هذا القبر ما لا يمكن وصفه إلّا بما
روي عن زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما لمن زار الحسين (عليه السلام)؟ قال: كان كمن زار اللّه في عرشه، قال قلت: ما لمن زار أحدا منكم؟ قال: كمن زار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)
[١]. فإن كان أثر عمله في تربته أن يصير معراج القرب إلى اللّه، و في قبره أن يصير عرش اللّه، فما ذا يكون أثره في دمه؟!
فمن جهة أنّ بين النفس و البدن تفاعلا متقابلا يؤثّر كلّ منهما في الآخر و يتأثّر منه، فدمه (عليه السلام) منبعث عن القلب المتعلّق بالنفس المستغرقة في أسماء اللّه الجلالية و الجمالية و الكمالية.
و كلّ شيء يعرف بأصله و فرعه، و أصله برهانه، و فرعه دليله، فلا يعرف هذا الدم إلّا بمعرفة النفس التي هي في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و بالقلب الذي هو عرش الرحمن، و بالصدر الذي هو خزينة أسرار ربّ العالمين، و لا يعرف إلّا بمعرفة فرعه و أثره و هو إحياء الحقّ الذي جاء من عند الحقّ لإقامة العدل و الحقّ.
و لقد فضّل اللّه هذا الدم على دم يحيى بن زكريا الذي قال اللّه تعالى في حقه:
سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [٢].
فعن ابن عبّاس، قال: أوحى اللّه تعالى إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّي قتلت بيحيى بن زكريا
[١] كامل الزيارات، ص ٢٧٨ باب ٥٩ ح ١.
[٢] سورة مريم: ١٥.