منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ١٣٨ - الوجه الأوّل
أناس ليس لهم معرفة بأحوال تلك الأجهزة و دقائق صنعها و ظرافة تشغيلها.
فهل أنّ الدقّة و الظرافة للمعارف و السنن و الأحكام الإلهية لجميع مجالات الحياة، التي هي أجهزة مصنع دين اللّه أقلّ من أجهزة ذلك المصنع؟!
و هل أنّ إنتاجها الذي هو أغلى جواهر الوجود و هو كمال الإنسانية بمعرفة اللّه تعالى و عبادته، و تعديل شهوة الإنسان إلى العفّة، و غضبه إلى الشجاعة، و فكره إلى الحكمة، و إقامة المدينة الفاضلة على أسس العدل و القسط، أقلّ قدرا من إنتاج مصنع الجواهر؟!
إنّ الكتاب الذي بعث اللّه به رسوله و وصفه بأنه وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً [١]، و قال عنه: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [٢]، و قال عنه: وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [٣] و ضمّنه كلّ ما يحلّ اختلاف الناس على اختلاف مراتبهم و يميّز لهم الحقّ و الباطل، يحتاج إلى مبيّن يستخرج منه ما هو تبيان له، و لا بدّ أن يكون محيطا بالظلمات الفكرية و الأخلاقية و العملية، و ما يقابلها من النور، حتّى يخرجهم من تلك الظلمات، و يهديهم إلى ذلك النور، و يبيّن لهم الحقّ و الباطل فيما اختلفوا فيه؟!
و لا مناص من أن يكون عالما بالحقّ و الباطل في كلّ ما اختلف فيه الناس، لكي يبيّن لهم الذي اختلفوا فيه: من أعمق المسائل الأصولية في المبدأ و المعاد- التي ما زالت تشغل أفكار نوابغ العلماء في حلّها- إلى كلّ ما يبتلى به في المسائل الفرعية كتنازع المرأتين في رضيع تدّعي كلّ واحدة منهما أنّها أمّه.
[١] سورة النحل: ٨٩.
[٢] سورة إبراهيم: ١.
[٣] سورة النحل: ٦٤.