منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ١٣٠ - الدليل العقلي
إنّ عدل اللّه تعالى يستوجب وجود البعث و الحساب و الثواب و العقاب أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ [١]، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٢]
(٢) إنّ اللّه تعالى حكيم، و لا يصدر عنه سفه و عبث، و هو لم يقتصر في خلق الإنسان على تجهيزه بالقوى الضرورية لحياته النباتية و الحيوانية، كقوّة الجذب و الدفع، و الشهوة و الغضب، بل جهّزه بقوى أخرى تقوده إلى التكامل و التحلّي بالفضائل العلمية و العملية، و ترتفع به إلى مستويات عليا، لا يقف فيها عند حدّ، بل كلّما ترقّى في هذا السبيل يتعطّش لما هو أعلى، و قد بعث اللّه الأنبياء (عليهم السلام) لهداية الإنسان إلى الكمال الذي يكون مفطورا على طلبه و مجبولا على أن لا يقف على حدّ حتّى ينتهي إلى ما قال سبحانه وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [٣].
فلو كان الإنسان مخلوقا للحياة الحيوانية فقط لكان إعطاؤه العقل الذي لا يقتنع إلّا بإدراك أسرار الوجود لغوا، و خلقه على الفطرة التي لا تطمئن دون أيّة مرتبة من الكمال حتّى يصل إلى مبدأ الكمال الذي ليس له حدّ عبثا.
فالحكمة الإلهية توجب أن لا تختم حياة الإنسان بالحياة المادّية و الحيوانية، بل تتواصل لتحقيق الهدف الذي خلقت قوى عقله و روحه من أجله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما
[١] سورة ص: ٢٨.
[٢] سورة الزلزلة: ٦ و ٧ و ٨.
[٣] سورة النجم: ٤٢.