منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦٩ - الثاني
أنوار الرّسالة.
و منه ينقدح إشكال آخر، و هو أنّ المستفاد من كثير من الأخبار و الآيات أنّ في القرآن تبيان كلّ شيء و أنّه لا رطب و لا يابس إلّا في كتاب مبين، و أنّ جميع الأحكام ممّا نزل به الرّوح الأمين من عند ربّ العالمين، و ذلك ينافي التفويض إلى النّبيّ أيضا بالتقريب الذي ذكرناه آنفا، و قد قال سبحانه: «و ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحى يوحى، و إن اتّبع إلّا ما يوحى الىّ و ما أنا إلّا نذير مبين» و من المعلوم أنّه كثيرا ما كان ينتظر الوحى و لا يجيب من تلقاء نفسه، فلو كان الأمر مفوّضا إليه لما احتاج إلى ذلك و يمكن الجواب عن الاشكال الأوّل بحمل الأحكام المفوّضة إليهم على الأحكام الظاهريّة كالواردة في مقام التّقية و ربّما يشعر به الرّواية الأخيرة إلّا أنّ المستفاد من ذيلها كالرّواية المتقدّمة عليها هو كون التّفويض إلى الأئمة على حدّ التّفويض إلى النّبيّ ٦ و أنّ ما فوّض إلى رسول اللّه فوّض إلى الأئمة، و قد ظهر من رواية الفضيل أنّ التّفويض إليه ٦ إنّما هو في الأحكام الواقعيّة فالأولى الجواب بأنّ المراد بالتّفويض إليهم هو التّفويض في تشريع الأحكام و اختراعها.
لا يقال: إنّ تشريع الأحكام كان مختصّا بالنّبيّ ٦ إذ لم يبق بعده حكم حتّى يكون مفوّض التشريع إلى الأئمة لأنّا نقول: إنّ غاية ما يستفاد من الأخبار هو أنّ إكمال الدّين و إنزال جميع الاحكام كان في زمن النّبي ٦ و أمّا تبليغه لها كلّها إلى الامة فلا بل لم يبلّغ صلوات اللّه عليه إلّا قليلا من الاحكام، و إنّما أودعها كلّها عند الأئمة و سلّمها إليهم و هم عليهم السّلام بلّغوا منها إلى الامّة ما كانت محتاجة إليه، و بقى مخزونا عندهم ما لم يكن لها إليه حاجة و بمثل هذا الجواب أيضا يمكن الذّبّ عن الاشكال الثّاني إلّا أنّ التّحقيق في الجواب عنه أن يقال: إنّ كون جميع الاحكام ممّا اوحى بها إلى النبيّ لا ينافي