منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٦ - تنبيه و تحقيق
فقد ظهر من هذا الحديث احتياج كلّ أحد إلى الدّعاء معافا و مبتلا، و فايدته رفع البلاء الحاصل و دفع السّوء النّازل أو جلب نفع مقصود أو تقرير خير موجود فان قلت: المطلوب بالدّعاء إمّا أن يكون معلوم الوقوع للّه سبحانه، أو معلوما عدم وقوعه، فعلى الأوّل يكون واجبا و على الثاني ممتنعا، و على التّقديرين فلا يكون للدّعاء فايدة، لأنّ الأقدار سابقة، و الأقضية واقعة و قد جفّ القلم بما هو كائن، فالدّعاء لا يزيد و لا ينقص فيها شيئا قلنا: هذه شبهة ربّما سبقت إلى الأذهان القاصرة و فسادها ظاهر، لأنّ كلّ كاين فاسد موقوف في كونه و فساده على شرايط توجد و أسباب تعدّ لأحدهما لا يمكن يدونها، و على ذلك فلعلّ الدّعاء من شرايط ما يطلب به و هما، و ان كانا معلومي الوقوع للّه سبحانه و هو تعالى علّتهما الاولى إلّا أنّه هو الذي ربط أحدهما بالآخر، فجعل سبب وجود ذلك الشيء الدّعاء كما جعل سبب صحّة المرض شرب الدّواء و ما لم يشرب الدّواء لم يصحّ، و بذلك ايضا ظهر فساد ما قيل إنّ المطلوب بالدّعاء إن كان من مصالح العباد فالجواد المطلق لا يبخل به، و إن لم يكن من مصالحهم لم يجز طلبه، وجه ظهور الفساد أنّه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله مصلحة بعد الدّعاء و لا يكون مصلحة قبل الدّعاء و أما النقل فمن الكتاب قوله سبحانه:
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ و قوله: وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
فجعل الدّعاء عبادة و المستكبر عنها كافرا و قوله:
وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.