منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٣ - المعنى
ثمّ إنّه ٧ علّل وجوب الاستبدال بعلّة ثانية مشيرة إلى سرعة زوال الدّنيا و فنائها و قصر مدّتها و انقضائها و هو قوله (و إنّ غاية تنقصها اللحظة و تهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة) أراد بالغاية أجل الانسان و مدّة تعيّشه في دار الدنيا و نبّه على قصرها بأنّها تنقصها اللحظة أى النظرة لأن كلّ جزء من الزّمان فرضته قد مضى من مدّة الانسان منقص لها، و بأنها تهدمها السّاعة أى ساعات اللّيل و النّهار، لأنّ الطبايع الجرميّة فلكية كانت أو عنصريّة متجدّدة الوجود و الحدوث في كلّ آن، فوجودها نفس زوالها و حدوثها نفس فنائها و الموادّ و الأعراض تابعة للطبايع فاذن تكون السّاعات هادمة لها استعاره بالكنايه و قال الشّارح البحراني: كنى بالسّاعة [تهدمها السّاعة] عن وقت الموت و لا شكّ أنّ الآن الذي تنقطع فيه علاقه النّفس مع البدن غاية لأجل الانسان، و غاية الشيء هى ما ينتهى عندها الشّيء فكنى بالهدم عن ذلك الانقطاع و الانتهاء كناية بالمستعار (و ان غايبا يحدوه الجديدان الليل و النّهار لحريّ بسرعة الأوبة) المراد بالغايب الانسان فانّه غايب عن وطنه الأصلي و منزله الحقيقي الذي إليه معاده و مسيره و هو دار الآخرة و شبّه الليل و النّهار بالحادي لكونهما مقرّبين للانسان بتعاقبهما إلى وطنه موصلين له إليه كما أنّ الحادى يحدو الابل و يحثّها على السّير بحدائه حتّى يوصلها إلى المنزل، و من المعلوم أنّ من كان حاديه الليل و النّهار فهو في غاية سرعة السّير و الرّجوع إلى وطنه، و قيل المراد بالغايب الموت قال البحراني: و هو و إن كان محتملا إلّا أنّه لا يطابقه لفظ الأوبة لأنّه لم يكن حتّى يرجع.
أقول: يمكن الجواب عنه بأنّ الموت لما كان عبارة عن العدم الطاري للانسان و كان الانسان مسبوقا بالعدم أيضا سمّي حلول الموت بالأوبة قال الصّدر الشيرازى: اعلم أنّ المبدأ هي الفطرة الاولى، و المعاد هو العود إليها، فالاشارة إلى الأولى كان اللّه و لم يكن معه شيء وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً