منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٧ - الفصل الثاني
فاذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس و بدن و روح و جسد، أمّا نفسك فلا شكّ أنّها كانت جاهلة في مبدء الفطر كما قال تعالى:
وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ثمّ تامّل في مراتب القوى الحسّاسة و المحرّكة و المدركة و العاقلة و تأمّل في مراتب المعقولات و في جهاتها و اعلم أنّه لا نهاية لها البتّة و لو أنّ العاقل أخذ في اكتساب العلم بالمعقولات و سرى فيها سيران البرق الخاطف و الرّيح العاصف، و بقى في ذلك السّير أبد الآبدين و دهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف و العلوم قدرا متناهيا، و لكانت المعلومات التي ما عرفها و لم يصل إليها أصلا غير متناهية و المتناهي في جنب غير المتناهى قليل في كثير فعند هذا يظهر له أنّ الذي قاله اللّه تعالى في قوله:
وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا حقّ و صدق.
و أمّا بدنك فانّه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة، فتأمّل كيفيّة تركيبها و تشريحها و تأمّل ما في كلّ واحد من الأعضاء و الأجزاء من المنافع العالية و الآثار الشّريفة، و حينئذ يظهر لك صدق قوله سبحانه و تعالى:
وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها و حينئذ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك و هدايتك، فتفهم شيئا قليلا من رحمته الكاملة و نعمته السّابغة الشّاملة.
الفصل الثاني
متضمّن للتّنفير عن الدّنيا و التّنبيه على بعض عيوباتها و هو قوله (و الدّنيا دار منى لها الفناء و) قدّر (لأهلها منها الجلاء) كما قال سبحانه: