منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٢ - المعنى
من يوم إلى يوم، و من شهر إلى شهر و من عام إلى عام و قال إلى أن اكتهل و يزول سنّ الشباب، فاذا اكتهل قال إلى أن أصير شيخا، فاذا شاخ قال إلى أن اتمّ هذه الدّار و ازوّج ولدي فلانا و إلى أن أعود من هذا السّفر و هكذا يسوّف التوبة كلّما فرغ من شغل عرض له شغل آخر بل اشغال حتّى يختطفه الموت و هو غافل عنه غير مستعدّله مستغرق القلب في امور الدّنيا، فتطول في الآخرة حسرته و تكثر ندامته و ذلك هو الخسران المبين.
ثمّ إنّه بعد الاشارة إلى كون اتّباع الهوى صادّا عن الحقّ و طول الأمل منسيا للآخرة أردف ذلك بالتنبيه على سرعة زوال الدّنيا و فنائها كى يتنبّه الغافل عن نوم الغفلة و يعرف عدم قابليتها لأن يطال الأمل فيها أو يتّبع الهوى فقال (ألا و إنّ الدّنيا قد ولّت حذّاء) أى أدبرت سريعة لكونها مفارقة لكلّ شخص (فلم يبق منها) بالنّسبة إليه استعاره (إلّا صبابة كصبابة الانآء اصطبّها صابّها) اطلاق الصبابة استعارة لبقيّتها القليلة، و القلّة هى الجامع بين المستعار منه و المستعار له (ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت) إشارة إلى سرعة لحوق الآخرة، إذا إدبار العمر مستلزم لاقبال الموت الذي هو آخر أيام الدّنيا و أوّل أيّام الآخرة.
و الاتيان بانّ المؤكدة و حرف التّنبيه و قد التّحقيقية، من أجل تنزيل العالم منزلة الجاهل فكان المخاطبين لغفلتهم عن اقبالها حيث لم يتزّودوا لها و لم يتّخذوا لها ذخيرة جاهلون له تشبيه و قوله ٧ (و لكلّ منهما بنون) شبّه الدّنيا و الآخرة بالأب أو الامّ و أهلها بالأبناء و الأولاد إشارة إلى فرط ميل أهل الدّنيا إلى دنياهم و أهل الآخرة إلى آخرتهم فهم من فرط المحبة إليهما بمنزلة الابن إلى أبويه، و هما من حيث تهيّة الاسباب لأهلهما بمنزلة الأبوين الصّارفين نظرهما إلى تربية الأولاد.
ثمّ لما كان غرضه ٧ حثّ الخلق على السّعى للآخرة، و الميل إليها و الاعراض عن الدّنيا قال (فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا) و علّله بقوله (فانّ كلّ ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة) قال الشّارح البحراني: و أشار بذلك إلى أنّ أبناء الآخرة و الطالبين لها و العاملين لأجلها مقرّبون في الآخرة لاحقون لمراداتهم فيها،