منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠١ - المعنى
لهم بدار و بدّلوها بالآخرة فكذلك أنتم إذا كنتم مثلهم فاستبدلوها بها (فانّ اللّه لم يخلقكم عبثا و لم يترككم سدى) إما علة لجميع ما أمر به سابقا من التقوى و المبادرة إلى الآجال بالأعمال و ابتياع الآخرة بالدّنيا و غيرها مما تلاها، أو لخصوص الأمر الأخير أعنى الاستبدال، و كيف كان فالمقصود بذلك أنه سبحانه لم يخلق الناس عبثا و لم يتركهم مهملين كالابل المرسلة ترعى حيث تشاء و إنما خلقهم للمعرفة و العبادة كما قال سبحانه:
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
فلا بدّ لهم من القيام بوظايف الطاعات و تحمّل المشاق في أداء العبادات و تبديل سيئاتهم بالحسنات بتوبتهم من الخطيئات، لتمكّنوا من الوفود إلى الدّرجات العاليات و في الحديث القدسي من منتخب التوراة: يابن آدم اني لم أخلقكم عبثا و لا جعلتكم سدى و لا أنا بغافل عما تعملون، و إنكم لن تنالوا ما عندي إلّا بالصبر على ما تكرهون في طلب رضائي، و الصبر على طاعتي أيسر عليكم من حرّ النار، و عذاب الدّنيا أيسر عليكم من عذاب الآخرة، يابن آدم كلكم ضالّ إلّا من هديته، و كلكم مريض إلّا من شفيته، و كلكم فقير إلّا من أغنيته، و كلكم هالك إلّا من أنجيته، و كلكم مسيء إلّا من عصمته، فتوبوا إلىّ أرحمكم و لا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، هذا و لما علل وجوب الابدال بما ذكر أكّد ذلك بقوله (و ما بين أحدكم و بين الجنة أو النار إلّا الموت أن ينزل به) و ذلك لأنّ العاقل إذا لاحظ أنه لا حجاب بينه و بين الجنة أو النار إلّا موته فيقطع العلايق الدنيوية و يفرغ قلبه من حبها و يستبدل الآخرة بالدنيا، و يمتثل لقوله: موتوا قبل أن تموتوا، شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب و مقصوده ٧ بذلك الاشارة إلى قرب الساعة و ما يكون فيها من الثواب و العقاب و أنها ليست بعيدة كما يزعمه أهل الحجاب بيان ذلك أنّ أهل الحجاب و أصحاب الشك و الارتياب يزعمون يوم القيامة بعيدا من الانسان بحسب الزمان