منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٨ - تنبيه و تحقيق
قلت: قد أجاب الطبرسي في مجمع البيان بأنّه ليس أحد يدعو اللّه على ما يوجبه الحكمة إلّا أجابه اللّه، فانّ الدّاعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه و لا يكون له مفسدة فيه فانّه سبحانه يجيب إذا اقتضت المصلحة إجابته أو يؤخّر الاجابة إن كانت المصلحة في التأخير، ثمّ قال: و إذا قيل إنّ ما يقتضيه الحكمة لا بدّ أن يفعله فما معنى الدّعاء و اجابته؟ أجاب بأنّ الدّعاء عبادة في نفسها لما فيه من إظهار الخضوع و الانقياد، و أيضا لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنّما صار مصلحة بعد الدّعاء أقول: أمّا ما ذكره من أنّه ليس أحد يدعو اللّه اه، فهو حقّ لا ريب فيه و به صرّح في عدّة الدّاعي حيث قال: ليس أحد يدعو اللّه سبحانه و تعالى على ما يوجبه الحكمة ممّا فيه صلاحه إلّا أجابه و على الدّاعي أن يشرط ذلك بلسانه او يكون منويّا في قلبه، فاللّه يجيبه البتّة إن اقتضت المصلحة إجابتها، أو يؤخّر له إن اقتضت المصلحة التأخير قال اللّه تعالى:
وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ و في دعائهم: يا من لا تغيّر حكمته الوسايل، و لما كان علم الغيب منطويا عن العبد و ربّما تعارض عقله القوى الشّهويّة و يخالطه الخيالات النّفسانيّة فيتوهّم أمرا ممّا فيه فساده صلاحا له فيطلبه من اللّه سبحانه و يلحّ في السّؤال عليه، و لو يعجّل اللّه إجابته و يفعله به لهلك البتّة، و هذا أمر ظاهر العيان غنيّ عن البيان كثير الوقوع، فكم نطلب أمرا ثمّ نستعيذ منه و كم نستعيذ من أمر ثمّ نطلبه، و على هذا خرج قول عليّ ٧: ربّ أمر حرص الانسان عليه فلمّا أدركه ودّ أن لم يكن أدركه و كفاك قوله تعالى:
وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فانّ اللّه سبحانه و تعالى من وفور كرمه و جزيل نعمه لا يجيبه، و ذلك إمّا لسابق رحمته