منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥ - المعنى
السّباق، و أمّا نصبه فعلى كونه اسم انّ و غدا خبرها، و هو واضح.
المعنى
اعلم أنّ المستفاد من شرح البحرانى أنّ هذه الخطبة من فقرات خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر و سيجيء أوّلها في الكتاب، و هي الخطبة الرّابعة و الأربعون المصدّرة بقوله: الحمد للّه غير مقنوط من رحمته، و نذكر تمامها هناك إنشاء اللّه برواية الصّدوق فانتظر.
و إنّما قدّمها الرّضيّ عليها مع كونها بعدها، لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب من أنّه لا يراعى التّتالي و النّسق و انّما يراعى النّكت و اللمع، و كيف كان فمدار ما ذكره هنا على التّزهيد في الدّنيا و التّرغيب في الآخرة فأشار أوّلا إلى عدم جواز الرّكون و الاعتماد على الدّنيا بقوله:
استعاره بالكنايه (أمّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع) و أشار بادبارها إلى تقضّى أحوالها الحاضرة و شهواتها الموجودة لكلّ أحد أحد شيئا فشيئا كما قال عليه الصّلاة و السّلام في الدّيوان المنسوب إليه:
|
رأيت الدّهر مختلفا يدور |
فلا حزن يدوم و لا سرور |
|
|
و قد بنت الملوك به قصورا |
فما بقى الملوك و لا القصور |
|
و إنّما اطلق اسم الادبار على هذا التقضّي باعتبار أنّ اللذات الدّنيويّة لما كانت دائما في التّغيّر و التقضّي المقتضى لمفارقة الانسان لها و بعدها عنه، لاجرم حسن اطلاق اسم الادبار عليه تشبيها لها بالحيوان المدبر، و لما كانت مفارقة الانسان عنها مستلزمة لأسفه عليها و وجده بها، أشبه ذلك ما يفعله الانسان في حقّ محبوبه المرتحل عنه في وداعه له من الحزن و الكابة، فاستعير اسم الوداع له و كنى باعلامها بذلك عن الشّعور الحاصل بمفارقتها من تقضّيها شيئا فشيئا و هو اعلام بلسان الحال.
المجاز ثمّ نبّه على وجوب الاستعداد للآخرة بدنوّها من الانسان بقوله: (و انّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع) و مثله قال لقمان لابنه و هو يعظه: يا بنىّ إنك منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرتها و استقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك