منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣ - و من خطبة له
في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة، ألا و إنّي لم أر كالجنّة نام طالبها، و لا كالنّار نام هاربها، ألا و أنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل، و من لا يستقيم به الهدى يجرّ به الضّلال إلى الرّدى، ألا و إنّكم قد أمرتم بالظّعن و دلّلتم على الزاد، و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى و طول الأمل، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تجهزون «تحرزون خ» به أنفسكم غدا. قال الرضيّ «قد» أقول: لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزّهد في الدّنيا و يضطرّ إلى عمل الآخرة، لكان هذا الكلام، و كفى به قاطعا لعلايق الآمال، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار، و من أعجبه قوله ٧: تمثيل- تشبيه ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغاية النّار، فانّ فيه مع فخامة اللّفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثيل و واقع التّشبيه، سرّا عجيبا و معنى لطيفا، و هو قوله ٧:
و السّبقة الجنّة و الغاية النّار، فخالف بين اللّفظين لاختلاف المعنيين، و لم يقل:
السّبقة النّار كما قال: و السّبقة الجنّة. لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب، و هذه صفة الجنّة، و ليس هذا المعنى موجودا في النّار نعوذ باللّه منها فلم يجز أن يقول: و السّبقة النّار، بل قال: و الغاية النار، لأنّ الغاية قد ينتهى إليها من لا يسرّه الانتهاء و من يسرّه ذلك، فصلح أن يعبرّ بها عن الأمرين معا. فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل قال اللّه تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال: سبقتكم بسكون الباء إلى النّار فتأمّل ذلك، فباطنه عجيب و غوره بعيد لطيف، و كذلك أكثر كلامه ٧.