منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠٣ - تبصرة
و لهم فيها ما تشتهى أنفسهم و لهم ما يدّعون نزلا من غفور رحيم.
و أما أبناء الدّنيا فانّ نفوسهم لما كانت مستغرقة في محبّتها و ناسية لطرف الآخرة و معرضة عنها، لا جرم كانت يوم القيامة مغمورة في محبّة الباطل، مغلولة بسلاسل الهيئات البدنية و الملكات الرّديّة، فهي لتعلّقها بمحبة الدّنيا حيث لا يتمكّن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلّق له إلّا بوالده و لا ألف له إلّا هو و لا انس إلّا معه، ثمّ حيل بينه و بينه مع شدّة تعلّقه به و شوقه إليه، و اخذ إلى ضيق الأسجان و بدل بالعزّ الهوان فهو في أشدّ وله و همّ و أعظم حسرة و غمّ.
و أمّا أبناء الآخرة ففي حضانة أبيهم و نعيمه قد زال عنهم بؤس الغربة و شقاء اليتم و سوء الحضن فمن الواجب إذا تعرف احوال الوالدين و اتباع اثرهما و ادومهما شفقة و أعظمهما بركة، و ما هى الّا الآخرة و ليكن ذو العقل من أبناء الآخرة و ليكن برا بوالده متوصلا إليه بأقوى الاسباب و أمتنها (و انّ اليوم عمل و لا حساب) أراد باليوم مدّة الحياة يعنى أنّ هذا اليوم يوم عمل، لأنّ التكليف إنّما هو في هذا اليوم و العمل به و الامتثال له إنّما يكون فيه (و غدا حساب و لا عمل) أراد بالغد ما بعد الموت و هو وقت الحساب و لا عمل فيه لانقطاع زمان التكليف فعلى هذا فاللّازم للعاقل أن يبادر إلى العمل الذي به يكون من أبناء الآخرة في وقت امكانه قبل مجيء الغد الذي هو وقت الحساب دون العمل، و اللّه ولىّ التوفيق.
تبصرة
اعلم أنّ طول الأمل من أعظم الموبقات حسبما مرّت إليه الاشارة، و كفى في ذلك قوله سبحانه:
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فنبّه سبحانه على أنّ ايثار التّنعّم و التّلذّذ الذي هو من شئونات اتّباع الهوى و ما