منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٦ - المعنى
عنهم اللازم من علوّة، فهو سبحانه في كمال علوّه عليهم و بعده عنهم من حيث الذّات و الصّفات منهم قريب، و في كمال قربه منهم و دنوّه إليهم من حيث العلم و الاحاطة عنهم بعيد، لأنّ النّور كلّما كان أشدّ و أقوى كان مع علوّه و بعده أقرب و أدنى و اعتبر ذلك بنور الشّمس و هي في السّماء الرّابعة و بنور السّراج و المشعل و هو عندك في وجه الأرض فانظر أيّهما أقرب منك حتّى تعلم أنّ أعلى الموجودات شرفا و نورا يجب أن يكون أقربها منك و حيث إنّ علوّه سبحانه لم يكن علوّا حسّيا و لا فوقيّته فوقيّة مكانيّة (فلا) يكون (استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه) بعدا مكانيّا و إن كان بعيدا منهم بمقتضى علوّه العقليّ و متباعدا عن عقولهم بسبب ارتفاعه الذّاتي (و) حيث إنّ قربه من الخلق لم يكن قربا حسيّا و لا دنوّه دنوّا مكانيّا ف (لا) يكون (قربه) منهم (ساواهم في المكان به) و المقصود بهاتين الجملتين ردّ توهّم اولى الأوهام النّاقصة و الأذهان القاصرة الذين لم يفهموا من العلوّ إلّا الحسّي المستلزم للتّباعد، و لم يعرفوا من القرب إلّا المكاني المستلزم لمساواة المتقاربين في المحلّ، و قد عرفت هنا و في شرح الفصل الخامس و السّادس من الخطبة الاولى في بيان معنى قوله: و من قال علام فقد اعلا منه، و قوله: مع كلّ شيء لا بمقارنة بطلان هذا التوهم بما لا مزيد عليه و أقول الآن تأكيدا لما سبق و توضيحا لما هنا إنّه روى في الكافي في باب الحركة و الانتقال باسناده عن يعقوب بن جعفر الجعفرى عن أبي إبراهيم ٧ قال:
ذكر عنده قوم يزعمون أنّ اللّه ينزل إلى السّماء الدّنيا، فقال إنّ اللّه لا ينزل و لا يحتاج إلى أن ينزل إنّما منظره في القرب و البعد سواء، لم يبعد منه قريب و لم يبعد منه بعيد و لم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه، و هو ذو الطول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم الحديث أقول: لمّا كان زعم بعض العامّة أنّ للّه سبحانه مكانا أعلى الأمكنة و هو العرش و أنّه ينزل في الثلث الأخير من اللّيل إلى السّماء الدّنيا ليقرب من أهل الأرض و يناديهم بما أراد، ردّ زعمهم بأنّه تعالى لا ينزل و لا حاجة له إلى أن ينزل، و ذلك لأنّ المتحرّك من مكان إلى مكان إنّما يتحرّك لحاجته إلى الحركة، حيث