منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٣ - الفصل الاول
المعنى
اعلم انّ مدار هذا الفصل من الخطبة على فصول ثلاثة.
الفصل الاول
متضمّن للتّنفير عن الدّنيا و التّحذير منها و النّهى عن عقد القلب عليها و الأمر بالرّحيل عنها، و إليه أشار بقوله (ألا و إنّ الدّنيا قد تصرّمت) اى انقطعت (و آذنت بانقضاء) قد مضى في شرح الخطبة الثّامنة و العشرين و الخطبة الثّانية و الأربعين ما يوضح معنى هذه الفقرة من كلامه ٧، فان رجعت إلى ما ذكرناه هناك تعرف أنّ مراده ٧ من تصرّم الدّنيا و انقطاعها هو تقضى أحوالها الحاضرة شيئا فشيئا و أنّ المراد من إعلامها بالانقضاء هو الاعلام بلسان الحال على ما مرّ تفصيلا.
(و تنكّر معروفها و أدبرت حذاء) و هى اشارة إلى تغيّرها و تبدّلها و سرعة انقضائها و ادبارها حتّى أنّ ما كان منها معروفا لك يصير في زمان يسير مجهولا عندك و ادنى ما هو شاهد على ذلك هو حالة شبابك الذي كنت انس إليه متبهجا به كيف طرء عليها المشيب في زمان قليل:
|
فولّى الشّباب كأن لم يكن |
و حلّ المشيب كأن لم يزل |
|
|
كأنّ المشيب كصبح بدا |
و أمّا الشّباب كبدر أفل |
|
(فهى تحفز بالفناء سكّانها) اى تعجلهم و تسوقهم أو تطعنهم برماح الفناء و تدفعهم من خلفهم حتّى توقعهم في حفرتهم (و تحدو بالموت جيرانها) حتّي توصلهم إلى دار غربتهم، أفلا ترى إلى السّلف الماضين و الأهلين و الأقربين كيف توالت عليهم السّنون و طحنتهم المنون و فقدتهم العيون، أو لا ترى إلى الملوك و الفراعنة و الأكاسرة و السّياسنة كيف انتقلوا عن القصور و ربات الخدور إلى ضيق القبور.
|
باتوا على قلل الجبال تحرسهم |
غلب الرّجال فلم ينفعهم القلل |
|
|
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم |
إلى مقابرهم يابئس ما نزلوا |
|
|
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا |
أين الأسرة و التّيجان و الحلل |
|
|
أين الوجوه التّي كانت محجّبة |
من دونها تضرب الأستار و الكلل |
|