منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٤٦ - الفصل الاول مشتمل على حمد الله سبحانه و ثنائه
كذلك في الدّنيا فقط و هو مثل النّفس، فانّه لو انقطع منك لحظة واحدة لحصل الموت، و إمّا أن يكون كذلك في الآخرة و هو معرفة اللّه تعالى فانّها إن زالت عن القلب لحظة واحدة حصل الموت للقلب و استوجب العذاب الأبد و أمّا القسم الثّاني و هو الذي يكون نافعا و لا يكون ضروريّا فهو كالمال في الدّنيا و كساير العلوم و المعارف في الآخرة و أمّا القسم الثّالث و هو الذي يكون ضروريّا و لا يكون نافعا فكالمضّار التي لا بدّ منها في الدّنيا، كالأمراض و الموت و الفقر و الهرم و لا نظير لهذا القسم في الآخرة، فانّ ضروريّات الآخرة لا يلزمها شيء من المضّار و أمّا القسم الرّابع و هو الذي لا يكون ضروريّا و لا نافعا فهو كالفقر في الدّنيا و العذاب في الآخرة إذا عرفت ذلك فنقول: قد ذكرنا أنّ النّفس في الدّنيا نافع و ضروريّ، فلو انقطع عن الانسان لحظة لمات في الحال، و كذلك معرفة اللّه تعالى أمر لا بدّ منه في الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة، لكنّ الموت الأوّل أسهل من الثّاني لأنّه لم يتألم في الموت الأوّل إلّا ساعة واحدة، و أمّا الموت الثّاني فانّه يبقى ألمه أبد الآباد.
و كما أنّ التنفّس له أثر ان: أحدهما إدخال النّسيم الطيب على القلب و ابقاء اعتداله و سلامته، و الثاني إخراج الهواء الفاسد الحارّ المحترق عن القلب، كذلك الفكر له أثر ان: أحدهما ايصال نسيم الحجّة و البرهان إلى القلب و ابقاء اعتدال الايمان و المعرفة عليه، و الثّاني إخراج الهواء الفاسد المتولد من الشّبهات عن القلب، و ما ذاك إلّا بان يعرف أنّ هذه المحسوسات متناهية في المقدار منتهية بالأخرة إلى الفناء بعد وجودها، فمن وقف على هذه الأحوال بقى آمنا من الآفات و اصلا إلى الخيرات و المسرّات و كمال هذين الأمرين ينكشف بعقلك بأن تعرف أن كلّ ما وجدته و وصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة اللّه و ذرّة من أنوار إحسانه فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون اللّه رحمانا رحيما.