منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٤ - المعنى
فهذا خروج من العدم الأصلي إلى الوجود الكونيّ الحدوثي، و الاشارة إلى الانتهاء كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و هذا خروج من هذا الوجود الخاصّ إلى العدم الفطرى، فعلى هذا يصحّ توصيف الموت بأنّه يئوب إلى الانسان إلّا أنّ توصيفه بكون الليل و النّهار حاديين له لا يخلو عن بعد فافهم (و إنّ قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحقّ لأفضل العدة) و المراد بالقادم بالفوز أو الشقوة هو الانسان لما قد علمت أنه غايب عن وطنه الأصلى و ساير إليه، فهو حين قدومه على منزله إمّا أن يكون سعيدا فيفوز بالسعادة الباقية، و إمّا أن يكون شقيا فيقع في الخيبة الدائمة، و من كان هذا شأنه فاللازم عليه أن يستعدّ أفضل العدة، و يدخر لنفسه أحسن الزاد و الذخيرة حتى ينادى بنداء يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي.
(فتزودوا في الدّنيا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا) يعني أنّ الانسان إذا كان مستحقا لأفضل العدة فلا بد له أن يتزود من دنياه ما يحفظ به نفسه غدا بعد الموت و يوم القيامة من حرّ النّار و من غضب الجبّار، لأنّ ذلك أفضل العدد[١] و أحسن الزّاد و هذا هو التّقوى كما قال اللّه تعالى:
وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى و إليه أشار بقوله (فاتقى عبد ربّه نصح نفسه قدم توبته غلب شهوته) و هذه جملات خبريّة في معنى الانشاء مفصّلة للزّاد الذي به يحصل حرز النّفس و حفظها، و المراد بنصح النّفس النّظر إلى مصالحها بأمرها بما هو محصّل لها الكمال و نهيها عمّا يوقعها في الضّلال و حثّها بالخيرات و الحسنات و منعها عن الشّرور و السّيئات، و من جملة
[١] عدد جمع عدة، منه