منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٠ - الثاني
التّفويض إليه، لأنّ المستفاد من الأخبار أنّ تفويض أمور الدّين إليه ٦ إنّما وقع بعد أن أدّبه اللّه سبحانه، و المراد بتأديبه هو اجتبائه بالهداية إلى جميع ما فيه صلاح العباد في أمر المعاش و المعاد، و اكرامه بالعصمة المانعة من الخطاء و الزّلل، و اكمال عقله و إقداره على معرفة جهات الأفعال من المصالح و المفاسد الواقعة فيها فيكون محصّل المراد بتلك الأخبار أنّ اللّه أكمل عقل نبيّه و علّمه جميع المصالح و المفاسد الواقعيّة، فحسن علمه و كماله، ثمّ فوّض إليه أمر دينه أى أذن له في مراجعة عقله في معرفة الأحكام، فعرف في شيء جهة حسن ملزم فحكم في نفسه بوجوبه، و في شيء آخر جهة قبح ملزم فحكم في نفسه بحرمته، و هكذا ثمّ لحقه الاجازة من اللّه سبحانه، فحاله عند التّحقيق كحال المجتهد إذا رجع الأدلّة فحكم بحكم ثمّ عرض على المعصوم فأقرّه عليه و أجاز له ذلك و بعبارة أخرى أنّ اللّه لمّا أكمل نبيّه بالعقل و العلم و العصمة و الهداية، و النّبيّ لمّا عرف الجهات الواقعيّة للأفعال، فعيّن في نفسه الشّريف لكلّ فعل حكما من الأحكام على حسب ملاحظة الجهات و مراعات اقتضاء المقتضيات الواقعيّة فلحقه الاجازة منه سبحانه بما عيّنه في نفسه، ثمّ كلف النّاس به بعد لحوق الاجازة فيكون و حيا و يندرج في أحكام اللّه سبحانه، ثمّ في الكتاب المشتمل عليها و على غيرها، و كيف كان فلا ينطق بما اختاره في نفسه إلّا بعد الاجازة و نزول وحى يدلّ على تقريره عليه.
و من هنا ذهب بعض أصحابنا الأصوليّين إلى أنّ المراد بقولهم كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع: هو العقل الكلّ العالم بالجهات المحسّنة و المقبحة العارف بالمصالح و المفاسد الواقعيّة، و يوضح ما حقّقناه ما ورد في أمر تحويل القبلة من أنّ النبيّ كان متعبّدا باستقبال بيت المقدّس، فلما عيرت به اليهود و قالوا له: إنك تابع لقبلتنا كره استقبال قبلتهم و أحبّ التحويل إلى الكعبة فأنزل اللّه سبحانه:
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِ