الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٧٠ - ٢١ درّة نجفيّة في صفات الفقيه الجامع للشرائط
و كذلك يترك استعمال الدواء لسائر المهلكات الباطنة، و ربما يختطفه الموت قبل التوبة و التلافي، فيلقى اللّه و هو عليه غضبان، فترك ذلك كله و اشتغل بعلم النحو و تصريف الكلمات، و المنطق و بحث الدلالات، و فقه الحيض و الاستحاضات، و السلم و الإجارات، و اللعان و الجراحات، و الدعاوى و البيّنات، و القصاص و الديات، و لا يحتاج [إلى] [١] شيء من ذلك مدّة عمره إلّا نادرا و إن احتاج إليه غيره، فهو من فروض الكفاية، و غفل مع ذلك عن العلوم الّتي هي فرض عيني بإجماع المسلمين.
فغاية تلك العلوم إذا قصد بها وجه اللّه العظيم و ثوابه [٢] الجسيم أنها فرض كفاية، و مرتبة فرض الكفاية بعد تحصيل الفرض العيني، فلو كان غرض هذا الفقيه العالم بعلمه وجه اللّه تعالى لاشتغل بترتيب العلوم بالأهم فالأهم و الأنفع فالأنفع، فهو إما غافل مغرور، و إما مراء في دينه، مخدوع، طالب للرئاسة و الاستعلاء، و الجاه و المال، فيجب عليه التنبيه لإحدى العلتين قبل أن تقوى عليه و تهلكه.
و ليعلم مع ذلك أيضا أن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند اللّه تعالى، و إنّما الفقه عند اللّه تعالى بإدراك جلاله و عظمته، و هو العلم الذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع، و يحمل على التقوى، و معرفة الصفات المخوفة فيجتنبها، و المحمودة فيرتكبها، و يستشعر الخوف و الحزن كما نبّه عليه اللّه تعالى في كتابه حيث يقول فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [٣].
[١] من المصدر، و في النسختين: في.
[٢] في «ح» بعدها: العظيم.
[٣] التوبة: ١٢٢.