البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - القول فيما أوتى سليمان بن داود (عليه السلام)
الكلم، و اختصرت لي الحكمة اختصارا* و لا شك أن العرب أفصح الأمم، و كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أفصحهم نطقا، و أجمع لكل خلق جميل مطلقا*
القول فيما أوتى سليمان بن داود (عليه السلام)
قال اللَّه تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ* وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ* وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ و قال تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ* وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ و قال تعالى وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ* يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَ تَماثِيلَ وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و قد بسطنا ذلك في قصته، و في التفسير أيضا، و في الحديث الّذي
رواه الإمام أحمد و صححه الترمذي و ابن حبان و الحاكم في مستدركه عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أن سليمان (عليه السلام) لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل اللَّه خلالا ثلاثا، سأل اللَّه حكما يوافق حكمه، و ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، و أنه لا يأتى هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. أما تسخير الريح لسليمان فقد قال اللَّه تعالى في شأن الأحزاب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً
و قد تقدم في الحديث الّذي
رواه مسلّم من طريق شعبة عن الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: نصرت بالصبا و أهلكت عاد بالدبور* و رواه مسلّم من طريق الأعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله.
و ثبت في الصحيحين: نصرت بالرعب مسيرة شهر.
و معنى ذلك أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى اللَّه الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر، و لو كان مسيره شهرا، فهذا في مقابلة: غدوها شهر و رواحها شهر، بل هذا أبلغ في التمكن و النصر و التأييد و الظفر، و سخرت الرياح تسوق السحاب لا نزال المطر الّذي امتن اللَّه به حين استسقى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في غير ما موطن كما تقدم* و قال أبو نعيم: فأن قيل: فأن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد اللَّه و كان غدوها شهرا و رواحها شهرا. قيل: ما أعطى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أعظم و أكبر، لانه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، و عرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة، في أقل من ثلث ليلة، فدخل السموات سماء سماء، و رأى عجائبها، و وقف على الجنة و النار، و عرض عليه أعمال أمته، و صلّى بالأنبياء و بملائكة السموات، و اخترق الحجب، و هذا كله في