البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - رواية جبير بن مطعم
و قال تعالى «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» إلى قوله: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ» بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فان الشيطان يقصد الشر، و هو الكذب و الفجور، و لا يقصد الصدق و العدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا و إما خطأ و فجورا أيضا فان الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة: أقول فيها برأي فان يكن صوابا فمن اللَّه، و إن يكن خطأ فمنى و من الشيطان، و اللَّه و رسوله بريئان منه، فان رسول اللَّه بريء من تنزل الشياطين عليه في العمد و الخطأ، بخلاف غير الرسول فإنه قد يخطئ و يكون خطؤه من الشيطان، و إن كان خطؤه مغفورا له، فإذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا، و لا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه و إنما ينزل عليه ملك كريم، و لهذا قال في الآية الأخرى عن النبي: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» انتهى ما ذكره، و هذا عين ما أورده بحروفه.
باب
و أما دلائل النبوة الحسية أعنى المشاهدة بالأبصار فسماوية و أرضية و من أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين، قال اللَّه تعالى: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَ كَذَّبُوا وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَ كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ» و قد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول اللَّه، (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة.
رواية أنس بن مالك*
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال: سأل أهل مكة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) آية فانشق القمر بمكة فرقتين، فقال: «اقتربت الساعة و انشق القمر».
و رواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق* و قال البخاري: حدثني عبد اللَّه بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حراء بينهما* و أخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة، و مسلم من حديث شعبة عن قتادة.
رواية جبير بن مطعم
قال أحمد: حدثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن بكير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد،