البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - فصل
أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها:
كذبتم و بيت اللَّه نبزى محمدا* * * و لما نقاتل دونه و نناضل
و نسلمه حتى نصرّع حوله* * * و نذهل عن أبنائنا و الحلائل
و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا* * * يحوط الذمار غير ذرب مواكل
و أبيض يستسقي الغمام بوجهه* * * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلّاك من آل هاشم* * * فهم عنده في نعمة و فواضل
و كانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة، فسلط اللَّه عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء اللَّه، لئلا يجتمع بما فيها من الظلم و الفجور، و قيل: إنها أكلت ما فيها إلا أسماء اللَّه عز و جل، فأخبر بذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال: إن ابن أخى قد أخبرنى بخبر عن صحيفتكم، فان اللَّه قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء اللَّه، أو كما قال: فأحضروها، فأن كان كما قال و إلا أسلمته إليكم، فأنزلوها ففتحوها فإذا الأمر كما أخبر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فعند ذلك نقضوا حكمها و دخلت بنو هاشم و بنو المطلب مكة، و رجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، كما أسلفنا ذكره و للَّه الحمد* و من ذلك حديث خباب بن الأرت، حين جاء هو و أمثاله من المستضعفين يستنصرون النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب و الإهانة، فجلس محمرّا وجهه و قال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، و اللَّه ليتمّنّ اللَّه هذا الأمر و لكنكم تستعجلون* و من ذلك الحديث الّذي رواه البخاري: ثنا محمد بن العلاء، ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد اللَّه بن أبى بردة عن أبيه عن جده أبى بردة عن أبى موسى، أراه عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، و رأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به من الفتح و اجتماع المؤمنين، و رأيت فيها بقرا و اللَّه خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، و إذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير و ثواب الصدق الّذي أتانا بعد يوم بدر* و من ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة. قال البخاري: ثنا أحمد بن إسحاق، ثنا عبيد اللَّه بن موسى، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه بن مسعود قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف، أبى صفوان، و كان أمية إذا انطلق إلى الشام فمرّ بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار و غفل الناس انطلقت فطفت، فبينا سعد يطوف فإذا أبو جهل، فقال: من