البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
تساقطت أيضا لمولده الكريم، و هذا أبلغ و أقوى في المعجز من مباشرة كسرها، و قد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ، و لم تخمد قبل ذلك بألف عام، و أنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة، و كان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة، و أما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم (عليه السلام)، فلم يذكره أبو نعيم و لا ابن حامد، و سيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام) ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبيه عليه إذا انتهينا إليه، من إحياء أموات بدعوات أمته، و حنين الجذع، و تسليم الحجر و الشجر و المدر عليه، و تكليم الذراع له و غير ذلك* و أما قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ و الآيات بعدها، فقد قال اللَّه تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ، لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و قد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد، و قد ذكرنا في أحاديث الأسراء من كتابنا هذا، و من التفسير ما شاهده رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة أسرى به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس، و فيما بين ذلك إلى سماء الدنيا، ثم عاين من الآيات في السموات السبع و ما فوق ذلك، و سدرة المنتهى، و جنة المأوى، و النار التي هي بئس المصير و المثوى، و قال عليه أفضل الصلاة و السلام في حديث المنام- و قد رواه أحمد و الترمذي و صححه، و غيرهما- فتجلى لي كل شيء و عرفت* و ذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء اللَّه يعقوب (عليه السلام) بفقده ولده يوسف (عليه السلام) و صبره و استعانته ربه عز و جل، موت إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و صبره عليه، و
قوله: تدمع العين و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضى ربنا، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون*
قلت: و قد مات بناته الثلاثة: رقية، و أم كلثوم، و زينب، و قتل عمه الحمزة، أسد اللَّه و أسد رسوله يوم أحد، فصبر و احتسب* و ذكر في مقابلة حسن يوسف (عليه السلام) ما ذكر من جمال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و مهابته و حلاوته شكلا و نفعا و هديا، و دلا، و يمنا، كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك، كما قالت الربيع بنت مسعود:
لو رأيته لرأيت الشمس طالعة* و ذكر في مقابلة ما ابتلى به يوسف (عليه السلام) من الفرقة و الغربة، هجرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة، و مفارقته وطنه و أهله و أصحابه الذين كانوا بها*
القول فيما أوتى موسى (عليه السلام) من الآيات البينات
و أعظمهن تسع آيات كما قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ و قد شرحناها في التفسير، و حكينا قول السلف فيها، و اختلافهم فيها، و أن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى، و اليد، إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضيء كقطعة قمر يتلألأ إضاءة، و دعاؤه على