البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - القول فيما أوتى إبراهيم الخليل (عليه السلام)
الشاة المسمومة، و أخبر ذراعها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما أودع فيه من السم، و كان قد نهش منه نهشة، و كان السم فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحب الذراع، فلم يضره السم الّذي حصل في باطنه باذن اللَّه عز و جل، حتى انقضى أجله (صلى اللَّه عليه و سلم)، فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الّذي كان في تلك الأكلة، (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي، فاتح بلاد الشام، أنه أتى بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك، فلم ير بأسا، رضى اللَّه عنه* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل: فأن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته، قال اللَّه تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ قيل: محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أتاه الكذاب بالبعث، أبىّ بن خلف، بعظم بال ففركه و قال مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ فأنزل اللَّه تعالى البرهان الساطع قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته* قلت: و هذا أقطع للحجة، و هو استدلاله للمعاد بالبداءة، فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، قادر على إعادتهم كما قال: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ أي يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى:
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى و قال: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ هذا و أمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين، فأما الّذي حاجّ إبراهيم في ربه فأنه معاند مكابر، فأن وجود الصانع مذكور في الفطر، و كل واحد مفطور على ذلك، إلا من تغيرت فطرته، فيصير نظريا عنده، و بعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات، و على كل تقدير فدعواه أنه هو الّذي يحيى الموتى، لا يقبله عقل و لا سمع، و كل واحد يكذبه بعقله في ذلك، و لهذا ألزمه إبراهيم بالإتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ و كان ينبغي أن يذكر مع هذا أن اللَّه تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما
بارز النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد، فقتله بيده الكريمة، طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا، فقالوا له: ويحك مالك؟ فقال: و اللَّه إن بى لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين: أ لم يقل: بل أنا أقتله؟ و اللَّه لو بصق على لقتلني- و كان هذا لعنه اللَّه قد أعد فرسا و حربة ليقتل بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: بل أنا أقتله إن شاء اللَّه
- فكان كذلك يوم أحد،* ثم قال أبو نعيم: فأن قيل:
فأن إبراهيم (عليه السلام) كسر أصنام قومه غضبا للَّه،
قيل: فأن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) كسر ثلاثمائة و ستين صنما، قد ألزمها الشيطان بالرصاص و النحاس، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوى من غير أن يمسها، و يقول:
جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
فتساقط لوجوهها، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل، و هذا أظهر و أجلى من الّذي قبله، و قد ذكرنا هذا في أول دخول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة عام الفتح بأسانيده و طرقه من الصحاح و غيرها، بما فيه كفاية* و قد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام