البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - حديث آخر غريب في قصة البعير
تقدم في البعير الواحد، فلعل هذه قصة أخرى، و اللَّه أعلم] [١].
و قد ذكرنا فيما سلف حديث جابر و قصة جمله الّذي كان قد أعيى، و ذلك مرجعهم من تبوك و تأخره في أخريات القوم، فلحقه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فدعا له و ضربه فسار سيرا لم يسر مثله حتى جعل يتقدم أمام الناس، و ذكرنا شراءه (عليه السلام) منه و في ثمنه اختلاف كثير وقع من الرواة لا يضر أصل القصة كما بيناه* و تقدم حديث أنس في ركوبه (عليه السلام) على فرس أبى طلحة حين سمع الناس صوتا بالمدينة فركب ذلك الفرس، و كان يبطئ، و ركب الفرسان نحو ذلك الصوت، فوجدوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد رجع بعد ما كشف ذلك الأمر، فلم يجد له حقيقة، و كان قد ركبه عريا لا شيء عليه و هو متقلد سيفا، فرجع و هو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، ما وجدنا من شيء، و إن وجدناه لبحرا.
أي لسابقا* و كان ذلك الفرس يبطأ قبل تلك الليلة فكان بعد ذلك لا يجارى و لا يكشف له غبار و ذلك كله ببركته (عليه الصلاة و السلام).
حديث آخر غريب في قصة البعير
قال الشيخ أبو محمد عبد اللَّه بن حامد الفقيه في كتابه «دلائل النبوة» و هو مجلد كبير حافل كثير الفوائد:
أخبرنى أبو على الفارسي، حدثنا أبو سعيد عن عبد العزيز بن شهلان القواس، حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدثنا عبد الرحمن بن على البصري، حدثنا سلامة ابن سعيد بن زياد بن أبى هند الرازيّ، حدثني أبى عن أبيه عن جده، حدثنا غنيم بن أوس- يعنى الرازيّ- قال: كنا جلوسا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فزعا فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أيها البعير اسكن، فان تك صادقا فلك صدقك، و إن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن اللَّه تعالى قد أمن عائذنا، و لا يخاف لائذنا، قلنا: يا رسول اللَّه ما يقول هذا البعير؟
قال: هذا بعير همّ أهله بنحره فهرب منهم فاستغاث بنبيكم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: يا رسول اللَّه هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يشكو مرّ الشكاية، فقالوا: يا رسول اللَّه ما يقول؟
قال: يقول إنه ربى في إبلكم جوارا و كنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلإ فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدفء، فقالوا: قد كان ذلك يا رسول اللَّه، فقال: ما جزاء العبد الصالح من مواليه؟ قالوا: يا رسول اللَّه فانا لا نبيعه و لا ننحره، قال: فقد استغاث فلم تغيثوه، و أنا أولى بالرحمة منكم، لأن اللَّه نزع الرحمة من قلوب المنافقين و أسكنها في قلوب المؤمنين، فاشتراه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بمائة درهم، ثم قال: أيها البعير انطلق فأنت حرّ لوجه اللَّه، فرغا على هامة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال:
[١] ما بين الأقواس المربعة في هذه الملزمة زيادة من التيمورية.