البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - باب البينة على ذكر معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، و أعلى منها،
باب البينة على ذكر معجزات لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله، و أعلى منها،
خارجة عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لأحد قبله منهم (عليهم السلام).
فمن ذلك القرآن العظيم الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فأنه معجزة مستمرة على الآباد، و لا يخفى برهانها، و لا يتفحص مثلها، و قد تحدى به الثقلين من الجن و الأنس على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات، و قد سبق الحديث المتفق على إخراجه
في الصحيحين من حديث الليث بن سعد بن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه قال: ما من نبي إلا و قد أوتى من الآيات ما آمن على مثله البشر، و إنما كان الّذي أوتيت و حيا أوحاه اللَّه إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة*
و المعنى أن كل نبي أوتى من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولى البصائر و النهى، لا من أهل العناد و الشقاء، و إنما كان الّذي أوتيته، أي جله و أعظمه و أبهره، القرآن الّذي أوحاه اللَّه الىّ، فأنه لا يبيد و لا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء و انقضت بانقضاء أيامهم، فلا تشاهد، بل يخبر عنها بالتواتر و الآحاد، بخلاف القرآن العظيم الّذي أوحاه اللَّه إليه فأنه معجزة متواترة عنه، مستمرة دائمة البقاء بعده، مسموعة لكل من ألقى السمع و هو شهيد* و قد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن بقية إخوانه من الأنبياء (عليهم السلام)،
كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، و جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، فأينما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، و أحلت لي الغنائم و لم تحل لأحد قبلي، و أعطيت الشفاعة، و كان النبي يبعث إلى قومه، و بعثت إلى الناس عامة*
و قد تكلمنا على ذلك و ما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته و للَّه الحمد. و قد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة [لنبي] من الأنبياء فهي معجزة لخاتمهم محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و ذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه، و أمر بمتابعته، كما قال تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ و قد ذكر البخاري و غيره عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: ما بعث اللَّه نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد و الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و ليتبعنه و لينصرنه* و ذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء،