البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - ذكر الأخبار عن دولة بنى العباس و كان ظهورهم من خراسان بالرايات السود، في سنة ثنتين و ثلاثين و مائة
بإيليا* و قد رواه الترمذي عن قتيبة به و قال: غريب، و رواه البيهقي و الحاكم من حديث عبد اللَّه ابن مسعود عن رشد بن سعد،
و قال البيهقي: تفرد به رشد بن سعد، و قد روى قريب من هذا عن كعب الأحبار و لعله أشبه و اللَّه أعلم* ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد عن أبى المغيرة عبد القدوس عن إسماعيل بن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، و يقتل اللَّه على أيديهم كل جبار و كل عدو لهم*
و قال الامام أحمد:
حدثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يخرج عند انقطاع من الزمان، و ظهور من الفتن، رجل يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثوا* و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبى عوانة عن الأعمش به،
و قال فيه يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح، فذكره، و هذا الإسناد على شرط أهل السنن و لم يخرجوه* فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان و في ولاية السفاح و هو أبو العباس عبد اللَّه بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب، و قد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين و مائة، ثم ظهر بأعوانه و معهم الرايات السود، و شعارهم السواد، كما دخل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مكة يوم الفتح، و على رأسه المغفر و فوقه عمامة سوداء، ثم بعث عمه عبد اللَّه لقتال بنى أمية، فكسرهم في سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، و هرب من المعركة آخر خلفائهم، و هو مروان بن محمد بن مروان و يلقب بمروان الحمار، و يقال له مروان الجعديّ، لاشتغاله على الجعد بن درهم فيما قيل، و دخل عمه دمشق و استحوذ على ما كان لبني أمية من الملك و الأملاك و الأموال، و جرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها إن شاء اللَّه تعالى* و قد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره، و قد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه، و في بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد، و أن ذلك يكون في آخر الزمان، كما سنورده في موضعه إن شاء اللَّه تعالى، و به الثقة و عليه التكلان*
و قد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع،
قال أبو معمر: هو أبو مسلم الخراساني- يعنى الّذي أقام دولة بنى العباس- و المقصود أنه تحولت الدولة من بنى أمية إلى بنى العباس في هذه السنة، و كان أول قائم منهم أبو العباس السفاح، ثم أخوه أبو جعفر عبد اللَّه المنصور باني مدينة السلام، ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد اللَّه، ثم من بعده ابنه الهادي، ثم ابنه الآخر هارون الرشيد، ثم انتشرت الخلافة في ذريته على ما سنفصله إذا وصلنا إلى تلك الأيام* و قد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح و المنصور و المهدي، و لا شك أن المهدي الّذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بنى العباس، ليس هو المهدي الّذي وردت الأحاديث المستفيضة