البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - ذكر الأخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش
معاوية، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا الأسود بن سعيد الهمدانيّ عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، قال: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ما ذا؟ قال: ثم يكون الهرج*
قال البيهقي: ففي الرواية الأولى بيان العدد، و في الثانية بيان المراد بالعدد، و في الثالثة بيان وقوع الهرج و هو القتل بعدهم، و قد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج و الفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية، كما أشار إليه في الباب قبله، و إنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه*
و قد قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.
ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فذكره*
و في صحيح البخاري من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية بن أبى سفيان قال:
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه اللَّه على وجهه ما أقاموا الدين*
قال البيهقي: أي أقاموا معالمه و إن قصروا هم في أعمال أنفسهم، ثم ساق أحاديث بقية ما ذكره في هذا و اللَّه أعلم* فهذا الّذي سلكه البيهقي و قد وافقه عليه جماعة، من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الّذي قدمنا الحديث فيه بالذم و الوعيد فأنه مسلك فيه نظر، و بيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد هذا أكثر من اثنى عشر على كل تقدير، و برهانه أن الخلفاء الأربعة، أبو بكر و عمر و عثمان و على، خلافتهم محققة بنص حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنة* ثم بعدهم الحسن بن على كما وقع، لأن عليا أوصى إليه، و بايعه أهل العراق، و ركب و ركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو و معاوية، كما دل عليه حديث أبى بكرة في صحيح البخاري، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فأن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، و على كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الّذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، و يخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الّذي أطبق الأئمة على شكره و على مدحه، و عدوه من الخلفاء الراشدين، و أجمع الناس قاطبة على عدله، و أن أيامه كانت من أعدل الأيام حتى الرافضة يعترفون بذلك، فان قال: أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعد على بن أبى طالب و لا ابنه، لان الناس لم يجتمعوا عليهما،