البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - حديث أم معبد في ذلك
و أحلاه و أحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود، لا عابس و لا مفند* فقال بعلها: هذا و اللَّه صاحب قريش الّذي تطلب، و لو صادفته لالتمست أن أصحبه، و لأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا* قال:
و أصبح صوت بمكة عال بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون من يقوله و هو يقول:
جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه* * * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر و ارتحلا به* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصىّ ما زوى اللَّه عنكم* * * به من فعال لا تجازى و سؤدد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فانكمو إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت* * * له بصريح ضرّة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب* * * يدر لها في مصدر ثم مورد
و قد قدمنا جواب حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن* و المقصود أن الحافظ البيهقي روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي قال: ثنا الحسن بن الصباح عن أبى معبد الخزاعي فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه* و قد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي و الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة، قال عبد الملك: فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك، و أن أم معبد هاجرت و أسلمت، ثم إن الحافظ البيهقي أتبع هذا الحديث بذكر غريبه و قد ذكرناه في الحواشي فيما سبق و نحن نذكر هاهنا نكتا من ذلك، فقولها: ظاهر الوضاءة، أي ظاهر الجمال، أبلج الوجه، أي مشرق الوجه مضيئة لم تعبه ثجلة قال أبو عبيد هو كبر البطن و قال غيره كبر الرأس، ورد أبو عبيدة رواية من روى لم تعبه نحلة يعنى من النحول و هو الضعف. قلت: و هذا هو الّذي فسر به البيهقي الحديث و الصحيح قول أبى عبيدة، و لو قيل: إنه كبر الرأس لكان قويا، و ذلك لقولها بعده: و لم تزر به صعلة و هو صغر الرأس بلا خلاف و منه يقال لولد النعامة: صعل، لصغر رأسه، و يقال له: الظليم، و أما البيهقي فرواه لم تعبه نحلة يعنى من الضعف كما فسره، و لم تزر به صعلة و هو الحاصرة [١]، يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمشفح [١] و لا ناحل، قال: و يروى لم تعبه ثجلة و هو كبر البطن و لم تزر به صعلة و هو صغر الرأس، و أما الوسيم فهو حسن الخلق و كذلك القسيم أيضا، و الدعج شدة سواد الحدقة، و الوطف طول أشفار العينين، و رواه القتيبي في أشفاره عطف و تبعه البيهقي في ذلك. قال: ابن قتيبة و لا أعرف
[١] كذا في النسختين الحلبية و المصرية: و في التيمورية قال: و هو الخاصرة و يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمنتفخ و لا ناحل.