البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - فصل
يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به، و لا نهى عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، و أحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره، و حرم و الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره، و جمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يذكر في التوراة و الإنجيل و الزبور نوع من الخبر عن اللَّه و عن الملائكة و عن اليوم الآخر الا و قد جاء به على أكمل وجه، و أخبر بأشياء ليست في الكتب و ليس في الكتب إيجاب لعدل و قضاء بفضل و ندب إلى الفضائل و ترغيب في الحسنات إلا و قد جاء به و بما هو أحسن منه، و إذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها و عبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها و رجحانها، و كذلك في الحدود و الأحكام و سائر الشرائع، و أمته أكمل الأمم في كل فضيلة، و إذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، و إن قيس دينهم و عبادتهم و طاعتهم للَّه بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم، و إذا قيس شجاعتهم و جهادهم في سبيل اللَّه و صبرهم على المكاره في ذات اللَّه، ظهر أنهم أعظم جهادا و أشجع قلوبا، و إذا قيس سخاؤهم و برهم و سماحة أنفسهم بغيرهم، ظهر أنهم أسخى و أكرم من غيرهم* و هذه الفضائل به نالوها، و منه تعلموها، و هو الّذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح و علومهم بعضها من التوراة و بعضها من الزبور و بعضها من النبوات و بعضها من المسيح و بعضها ممن بعده من الجواريين و من بعض الحواريين، و قد استعانوا بكلام الفلاسفة و غيرهم حتى أدخلوا- لما غيروا [من] دين المسيح- في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح. و أما أمة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم يكونوا قبله يقرءون كتابا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى و عيسى و داود و التوراة و الإنجيل و الزبور إلا من جهته، و هو الّذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، و يقروا بجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، و نهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الّذي جاء به: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» و قال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا، غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» [لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ] [١] الآية* و أمته (عليه السلام) لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به، و لا يبتدعون بدعة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، و لا يسرعون من الدين ما لم يأذن به اللَّه، لكن ما قصه عليهم من أخبار الأنبياء و أممهم، اعتبروا به، و ما
[١] جميع ما بين الأقواس المربعة في هذه الملزمة من زيادة التيمورية.