البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣ - حديث هند بن أبى هالة في ذلك
نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و مؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه كيف كان فقال:
كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يجلس و لا يقوم الا على ذكر، و لا يوطن الأماكن و ينهى عن إيطانها و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، و يأمر بذلك، يعطى كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، و من سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه و خلقه فصار لهم أبا و صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حكم و حياء و صبر و أمانة، لا ترفع فيه الأصوات، و لا تؤمن فيه الحرم، و لا تنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير و يرحمون الصغير يؤثرون ذا الحاجة، و يحفظون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب و لا فحاش و لا عياب و لا مزاح يتغافل عما لا يشتهي و لا يؤيس منه [راجيه] [١] و لا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار و ما لا يعنيه و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، و لا يعيره، و لا يطلب عورته و لا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا و لا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، و يتعجب مما يتعجبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في منطقه و مسألته حتى ان كان أصحابه يستحلونه [٢] في المنطق و يقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه، و لا يقبل الثناء الا من مكافئ و لا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. قال فسألته كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربع: الحلم و الحذر و التقدير و التفكر. فأما تقديره ففي تسويته النظر و الاستماع بين الناس و أما تذكره أو قال تفكره ففيما يبقى و يفنى، و جمع له (صلى اللَّه عليه و سلم) الحلم و الصبر فكان لا يغضبه شيء و لا يستفزه، و جمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، و القيام لهم فيما جمع لهم الدنيا و الآخرة (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي (رحمه اللَّه) في كتاب شمائل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن سفيان بن وكيع بن الجراح عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ حدثني رجل من ولد أبى هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد اللَّه سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على قال: سألت خالي فذكره و فيه حديثه عن أخيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب*
و قد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل عن أبى عبد اللَّه الحاكم النيسابورىّ لفظا و قراءة عليه: أنا أبو محمد الحسن [٣] محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحسين بن على بن أبى طالب القعنبي صاحب كتاب النسب ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست و ستين و مائتين، حدثني على
[١] هذه الزيادة من الشمائل.
[٢] في التيمورية «يستحلونه».
[٣] كذا.