البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٩ - فصل في شجاعته (صلى اللَّه عليه و سلم)
و قال النضر بن شميل عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إني لأستغفر اللَّه و أتوب إليه في اليوم مائة مرة*
و روى البخاري عن الفريابي عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اقرأ على، فقلت: أقرأ عليك و عليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» قال: حسبك، فالتفت فإذا عيناه تذرفان*
و ثبت في الصحيح: أنه (عليه السلام) كان يجد التمرة على فراشه فيقول: لو لا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها*
و قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وجد تحت جنبه تمرة من الليل، فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول اللَّه أرقت الليلة، قال: إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، و كان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه،
تفرد به أحمد* و أسامة بن زيد هو الليثي من رجال مسلم. و الّذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته (عليه السلام) و لكن من كمال ورعه (عليه السلام) أرق تلك الليلة،
و قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: [و اللَّه إني] لأتقاكم للَّه و أعلمكم بما أتقى*
و في الحديث الآخر أنه قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك
* و قال حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يصلّى و لجوفه أزيز كأزيز المرجل، و في رواية و في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء*
و روى البيهقي من طريق أبى كريب محمد بن العلاء الهمدانيّ، ثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبى إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه أراك شبت، فقال: شيبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت*
و في رواية له عن أبى كريب عن معاوية عن هشام عن شيبان عن فراس عن عطية عن أبى سعيد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني هود و أخواتها: الواقعة و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت.
فصل في شجاعته (صلى اللَّه عليه و سلم)
[ذكرت في التفسير عن بعض من السلف أنه استنبط من قوله تعالى: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ» أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه و لو كان وحده من قوله «لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» و قد كان (صلى اللَّه عليه و سلم) من أشجع الناس و أصبر الناس و أجلدهم، ما فرّ قطّ من مصاف و لو تولى عنه أصحابه. قال بعض أصحابه: كنا إذا اشتد الحرب و حمى الناس، نتقي برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ففي يوم بدر رمى ألف مشرك بقبضة من حصا فنالتهم أجمعين حين قال: شاهت الوجوه، و كذلك يوم حنين كما تقدم، و فرّ أكثر أصحابه في ثانى الحال