البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٩ - وقعة عين التمر
معهم أهل أرضهم، فمانعوا خالدا أن يصل إلى الخندق فضرب معهم رأسا، و لما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقئوا منهم ألف عين، فتصايح الناس: ذهبت عيون أهل الأنبار، و سميت هذه الغزوة ذات العيون، فراسل شيرزاذ خالدا في الصلح، فاشترط خالد أمورا امتنع شيرزاذ من قبولها، فتقدم خالد إلى الخندق فاستدعى برذايا الأموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها و جاز هو و أصحابه فوقها، فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد، و سأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له خالد بذلك، و خرج شيرزاذ من الأنبار و تسلمها خالد، فنزلها و اطمأن بها، و تعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية، و كان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم و هم بنو إياد، كانوا بها في زمان بختنصّر حين أباح العراق للعرب، و أنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه:
قومي إياد لو أنهم أمم* * * و لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا* * * ساروا جميعا و اللوح و القلم
ثم صالح خالد أهل البوازيج و كلواذى، قال: ثم نقض أهل الأنبار و من حولهم عهدهم لما اضطربت بعض الأحوال، و لم يبق على عهده سوى البوازيج و بانقيا. قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت قال: ليس لأحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة، الا بنو صلوبا و هم أهل الحيرة و كلواذى و قرى من قرى الفرات، غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا. و قال سيف عن محمد بن قيس: قلت للشعبى: أخذ السواد عنوة و كل أرض الا بعض القلاع و الحصون؟ قال: بعض صالح و بعض غالب. قلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب؟ قال: لا، و لكنهم لما دعوا و رضوا بالخراج و أخذ منهم صاروا ذمة.
وقعة عين التمر
لما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر، و قصد عين التمر و بها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب، و حولهم من الأعراب طوائف من النمر و تغلب و إياد و من لاقاهم و عليهم عقّة بن أبى عقّة، فلما دنا خالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا و خالدا، فقال له: دونكم و إياهم، و إن احتجتم إلينا أعناكم، فلامت العجم أميرهم على هذا، فقال:
دعوهم فأن غلبوا خالدا فهو لكم، و إن غلبوا قاتلنا خالدا و قد ضعفوا و نحن أقوياء، فاعترفوا له بفضل الرأى عليهم، و سار خالد و تلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه: احفظوا مكانكم فأنى حامل، و أمر حماته أن يكونوا من ورائه، و حمل على عقة و هو يسوى الصفوف فاحتضنه و أسره و انهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الأسر، و قصد خالد حصن عين التمر، فلما بلغ مهران هزيمة