البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٨ - كتاب دلائل النبوّة
مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» إلى أن قال في آخرها «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» و قال تعالى: «وَ قالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى» و قال تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» وعد تعالى أنه سيظهر الآيات: القرآن و صدقه و صدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب و في نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم و برهان قاطع لشبههم، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند اللَّه على لسان الصادق، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» أي في العلم بأن اللَّه يطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك* و في هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، و كذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير و ما سنذكره من الملاحم و الفتن كقوله تعالى: «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» و هذه السورة من أوائل ما انزل بمكة* و كذلك قوله تعالى في سورة اقتربت و هي مكية بلا خلاف: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى وَ أَمَرُّ» وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك* إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة، و سيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده (عليه السلام) طبق ما أخبر به* و في القرآن الأحكام العادلة أمرا و نهيا، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم و العقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات، الرحيم بعباده، الّذي يعاملهم بلطفه و رحمته، و إحسانه، قال تعالى «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا» أي صدقا في الأخبار و عدلا في الأوامر و النواهي، و قال تعالى «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» أي أحكمت ألفاظه و فصلت معانيه، و قال تعالى «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ» أي العلم النافع و العمل الصالح* و هكذا
روى عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه أنه قال لكميل بن زياد: هو كتاب اللَّه فيه خبر ما قبلكم، و حكم ما بينكم، و نبأ ما بعدكم*
و قد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية (و للَّه الحمد و المنة) فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة: من فصاحته، و بلاغته، و نظمه، و تراكيبه، و أساليبه، و ما تضمنه من الأخبار الماضية و المستقبلة، و ما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية، و التحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب، و التحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة- و هي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء- يعم جميع [أهل الأرض] من