البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٣ - ذكر كرمه (عليه السلام)
و هذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفى القلوب في الإسلام، و يتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الإبل و الشاء و الذهب و الفضة في المؤلفة، و مع هذا لم يعط الأنصار و جمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الإسلام، و ترك أولئك لما جعل اللَّه في قلوبهم من الغنى و الخير، و قال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتب من جماعة الأنصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء و البعير، و تذهبون برسول اللَّه تحوزونه إلى رحالكم؟ قالوا: رضينا يا رسول اللَّه*
و هكذا أعطى عمه العباس بعد ما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد و جاء العباس فقال: يا رسول اللَّه أعطني فقد فأديت نفسي يوم بدر و فأديت عقيلا، فقال: خذ، فنزع ثوبه عنه و جعل يضع فيه من ذلك المال ثم قام ليقله فلم يقدر فقال لرسول اللَّه: ارفعه على، قال: لا أفعل، فقال: مر بعضهم ليرفعه على، فقال: لا، فوضع منه شيئا ثم عاد فلم يقدر فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فلم يفعل فوضع منه ثم احتمل الباقي و خرج به من المسجد و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتبعه بصره عجبا من حرصه*
قلت: و قد كان العباس رضى اللَّه عنه رجلا شديدا طويلا نبيلا، فأقل ما احتمل شيء يقارب أربعين ألفا و اللَّه أعلم* و قد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع معلقا بصيغة الجزم و هذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»* و قد تقدم عن أنس بن مالك خادمه (عليه السلام) أنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أجود الناس، و أشجع الناس، الحديث* و كيف لا يكون كذلك و هو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي اللَّه عز و جل، الّذي أنزل اللَّه عليه في محكم كتابه العزيز:
«وَ ما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الآية* و قال تعالى: «وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»
و هو (عليه السلام) القائل لمؤذنه بلال و هو الصادق المصدوق في الوعد و المقال: «أنفق بلال و لا تخش من ذي العرش إقلالا»
و هو القائل (عليه السلام) «ما من يوم تصبح العباد فيه إلا و ملكان يقول أحدهما: اللَّهمّ أعط منفقا خلفا، و يقول الآخر:
اللَّهمّ أعط ممسكا تلفا»
و في الحديث الآخر أنه قال لعائشة: لا توعى فيوعى اللَّه عليك، و لا توكى فيوكى اللَّه عليك*
و في الصحيح أنه (عليه السلام) قال: يقول اللَّه تعالى: «ابن آدم أنفق أنفق عليك»
فكيف لا يكون أكرم الناس و أشجع الناس، و هو المتوكل الّذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق اللَّه و نصره، المستعين بربه في جميع أمره؟ ثم قد كان قبل بعثته و بعدها و قبل هجرته، ملجأ الفقراء و الأرامل، و الأيتام و الضعفاء، و المساكين، كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة