البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - قصة أخرى
الجذع* و قد جمع ابن أبى الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت، و ذكر منها كثيرا، و قد ثبت عن أنس رضى اللَّه عنه أنه قال: دخلنا على رجل من الأنصار و هو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض، فبسطنا عليه ثوبه و سجيناه، و له أم عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا و قال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند اللَّه فقالت: و ما ذاك؟ أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى اللَّه تعالى فقالت: اللَّهمّ إنك تعلم أنى أسلمت و هاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة و رخاء، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم. قال: فكشف الرجل عن وجهه و قعد، و ما برحنا حتى أكلنا معه* و هذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة. و قد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرميّ* و هذا السياق الّذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى، و قد رواه أبو بكر ابن أبى الدنيا، و الحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المرّي- أحد زهاء البصرة و عبادها- و في حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره. و في رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد اللَّه بن عون عن أنس كما تقدم، و سياقه أتم، و فيه أن ذلك كان بحضرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هذا إسناد رجاله ثقات، و لكن فيه انقطاع بين عبد اللَّه بن عون و أنس و اللَّه أعلم.
قصة أخرى
قال الحسن بن عرفة: حدثنا عبد اللَّه بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى سبرة النخعي قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام و توضأ ثم صلّى ركعتين ثم قال: اللَّهمّ إني جئت من المدينة مجاهدا في سبيلك و ابتغاء مرضاتك، و أنا أشهد أنك تحيى الموتى و تبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، و مثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة. قال البيهقي: و كذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي و كأنه عند إسماعيل من الوجهين. و اللَّه أعلم* قلت: كذلك رواه ابن أبى الدنيا من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة- يعنى بالكوفة- و قد أوردها ابن أبى الدنيا من وجه آخر، و أن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب، و قد قال بعض قومه في ذلك:
و منا الّذي أحيى الإله حماره* * * و قد مات منه كل عضو و مفصل
و أما قصة زيد بن خارجة و كلامه بعد الموت و شهادته للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و لأبى بكر و عمر و عثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة. قال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا و توفى في زمن عثمان، و هو الّذي تكلم بعد الموت* و روى الحاكم في مستدركه