البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - القول فيما أوتى سليمان بن داود (عليه السلام)
ليلة قائما، أكبر و أعجب. و أما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات، فقد أنزل اللَّه الملائكة المقربين لنصرة عبده و رسوله محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) في غير ما موطن، يوم أحد و بدر، و يوم الأحزاب و يوم حنين، كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه. و ذلك أعظم و أبهر، و أجل و أعلا من تسخير الشياطين. و قد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه.
و في الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، أو كلمة نحوها، ليقطع عليّ الصلاة فأمكننى اللَّه منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا و ينظروا إليه، فذكرت دعوة أخى سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي،
قال روح فرده اللَّه خاسئا. لفظ البخاري* و لمسلّم عن أبى الدرداء نحوه، قال: ثم أردت أخذه، و اللَّه لو لا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به ولدان أهل المدينة.
و قد روى الإمام أحمد بسند جيد عن أبى سعيد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قام يصلّى صلاة الصبح و هو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني و إبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين، الإبهام و التي تليها، و لو لا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة*
و قد ثبت في الصحاح و الحسان و المسانيد أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين، و في رواية: مردة الجن*
فهذا من بركة ما شرعه اللَّه له من صيام شهر رمضان و قيامه، و سيأتي عند إبراء الأكمه و الأبرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، دعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لغير ما واحد ممن أسلّم من الجن فشفى، و فارقهم خوفا منه و مهابة له، و امتثالا لأمره. (صلوات اللَّه و سلامه عليهم)، و قد بعث اللَّه نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به و صدقوه و رجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و حذروهم مخالفته، لأنه كان مبعوثا إلى الأنس و الجن، فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا، و وفدت إليه منهم وفود كثيرة و قرأ عليهم سورة الرحمن، و خبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان، و ما لمن كفر من النيران، و شرع لهم ما يأكلون و ما يطعمون دوابهم، فدل على أنه بين لهم ما هو أهم من ذلك و أكبر* و قد ذكر أبو نعيم هاهنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و يريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان، و قد سقنا ذلك بطرقه و ألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير و للَّه الحمد* و الغول هي الجن المتبدى بالليل في صورة مرعبة* و ذكر أبو نعيم هاهنا حماية جبريل له (عليه السلام) غير ما مرّة من أبى جهل كما ذكرنا في السيرة، و ذكر مقاتلة جبريل و ميكائيل عن يمينه