البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - قصة أخرى شبيهة بذلك
العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم، أو لم يصل إلى بطونها، فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة، أو أن يكون نهرا أو بحرا، بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطف و السيل الجاري، أعظم و أغرب، و كذلك بالنسبة إلى فلق البحر، و هو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، أي الجبل الكبير، فانحاز الماء يمينا و شمالا حتى بدت أرض البحر، و أرسل اللَّه عليها الريح حتى أيبسها، و مشت الخيول عليها بلا انزعاج، حتى جاوزوا عن آخرهم، و أقبل فرعون بجنوده (فغشيهم من اليم ما غشيهم و أضل فرعون قومه و ما هدى) و ذلك أنهم لما توسطوه و هموا بالخروج منه، أمر اللَّه البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، كما لم يفقد من بنى إسرائيل واحد، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في التفسير و للَّه الحمد و المنة* و المقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرميّ، و أبى عبد اللَّه الثقفي، و أبى مسلّم الخولانيّ، من مسيرهم على تيار الماء الجاري، فلم يفقد منهم أحد، و لم يفقدوا شيئا من أمتعتهم، هذا و هم أولياء، منهم صحابى و تابعيان فما الظن لو [كان] الاحتياج إلى ذلك بحضرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، سيد الأنبياء و خاتمهم، و أعلاهم منزلة ليلة الأسراء، و إمامهم ليلتئذ ببيت المقدس الّذي هو محل ولايتهم، و دار بدايتهم، و خطيبهم يوم القيامة، و أعلاهم منزلة في الجنة، و أول شافع في الحشر، و في الخروج من النار، و في دخول الجنة، و في رفع الدرجات بها، كما بسطنا أقسام الشفاعة و أنواعها، في آخر الكتاب في أهوال يوم القيامة، و باللَّه المستعان. و ستذكر في المعجزات الموسوية ما ورد من المعجزات المحمدية، مما هو أظهر و أبهر منها، و نحن الآن فيما يتعلق بمعجزات نوح (عليه السلام)، و لم يذكر شيخنا سوى ما تقدم، و أما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، فأنه قال في آخر كتابه في دلائل النبوة، و هو في مجلدات ثلاث:
الفصل الثالث و الثلاثون في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم، بفضائل نبينا، و مقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتى، إذ أوتى ما أوتوا و شبهه و نظيره، فكان أول الرسل نوح (عليه السلام)، و آيته التي أوتى شفاء غيظه، و إجابة دعوته، في تعجيل نقمة اللَّه لمكذبيه، حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت و ناطق، إلا من آمن به و دخل معه في سفينته، و لعمري إنها آية جليلة، وافقت سابق قدر اللَّه و ما قد علمه في هلاكهم، و كذلك نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) لما كذبه قومه و بالغوا في أذيته، و الاستهانة بمنزلته من اللَّه عز و جل، حتى ألقى السفيه عقبة بن أبى معيط سلا الجزور على ظهره و هو ساجد، فقال:
اللَّهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم ساق الحديث عن ابن مسعود كما تقدم، كما ذكرنا له في صحيح البخاري و غيره في وضع الملأ من قريش على ظهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور، و استضحاكهم من ذلك، حتى أن بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك، و لم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة (عليها السلام) فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تسبهم،
فلما سلّم