البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - قصة أخرى شبيهة بذلك
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من صلاته رفع يديه فقال: اللَّهمّ عليك بالملإ من قريش، ثم سمى فقال: اللَّهمّ عليك بأبي جهل و عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة و أمية بن خلف و عقبة بن أبى معيط و عمارة بن الوليد،
قال عبد اللَّه بن مسعود: فو الّذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، و كذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها و عديدها، فحين عاينهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال رافعا يديه:
اللَّهمّ هذه قريش جاءتك بفخرها و خيلائها، تجادل و تكذب رسولك، اللَّهمّ أصبهم الغداة، فقتل من سراتهم سبعون و أسر من أشرافهم سبعون، و لو شاء اللَّه لاستأصلهم عن آخرهم،
و لكن من حلم و شرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به و برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد دعا على عتبة بن أبى لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام، فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى* و كم له من مثلها و نظيرها، [١] كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر، و هو الدم بالوتر، و أكلوا العظام و كل شيء، ثم توصلوا إلى تراحمه و شفقته و رأفته، فدعا لهم، ففرج اللَّه عنهم و سقوا الغيث ببركة دعائه* و قال الامام الفقيه أبو محمد عبد اللَّه بن حامد في كتاب دلائل النبوة- و هو كتاب حافل-: ذكر ما أوتى نوح (عليه السلام) من الفضائل، و بيان ما أوتى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مما يضاهى فضائله و يزيد عليها، إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته و الاستخفاف به، و ترك الايمان بما جاءهم به من عند اللَّه، دعا عليهم فقال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) فاستجاب اللَّه دعوته، و غرق قومه، حتى لم يسلّم شيء من الحيوانات و الدواب إلا من ركب السفينة، و كان ذلك فضيلة أوتيها، إذ أجيبت دعوته، و شفى صدره بإهلاك قومه* قلنا: و قد أوتى محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب و الاستخفاف، فأنزل اللَّه إليه ملك الجبال و أمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذيتهم، و الابتهال في الدعاء لهم بالهداية* قلت: و هذا أحسن، و قد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، في قصة ذهابه إلى الطائف، فدعاهم فآذوه فرجع و هو مهموم، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال: يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك و ما ردوا عليك، و قد أرسلنى إليك لأفعل ما تأمرنى به، فأن شئت أطبقت عليهم الأخشبين- يعنى جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا و شمالا، أبو قبيس وزر، فقال: بل استأنى بهم لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك باللَّه شيئا* و قد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أحاديث الاستسقاء عن أنس و غيره، كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا
أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) سأله ذلك الأعرابي أن يدعو اللَّه لهم، لما بهم من الجدب و الجوع، فرفع يديه فقال: اللَّهمّ اسقنا،
[١] كذا، و الظاهر أن فيه سقطا.