البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٧ - كتاب دلائل النبوّة
و أي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، و نسبة ما ليس منه إليه، كما قال تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، و ما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه و يمنعنا منه، و قال تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» و قال تعالى: «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ» و هذا الكلام فيه الأخبار بأن اللَّه شهيد على كل شيء، و أنه تعالى أعظم الشهداء، و هو مطلع عليّ و عليكم فيما جئتكم به عنه، و تتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلنى إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن اللَّه و ملائكته و عرشه و مخلوقاته العلوية و السفلية كالسموات و الأرضين و ما بينهما و ما فيهن أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة الى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح، كما قال تعالى: «وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً و قال تعالى: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» و قال تعالى «وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» و في القرآن العظيم الأخبار عما مضى على الوجه الحق و برهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاه مع كونه نزل على رجل أمى لا يعرف الكتابة و لم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الأوائل، و لا أخبار الماضين، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة، التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء، و ما كان منهم من أمورهم معهم، و كيف نجى اللَّه المؤمنين و أهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتى بمثلها أبد الآبدين، و دهر الداهرين، ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان و الفصاحة، و تارة تبسط، فلا أحلى و لا أجلى و لا أعلى من ذلك السياق حتى كأن التالي أو السامع مشاهد لما كان، حاضر له، معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» و قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» و قال تعالى: في سورة يوسف: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ* وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ* وَ ما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ