البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٢ - فصل في تصدى الصديق لقتال أهل الردة و مانعي الزكاة
في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: الحمد للَّه الّذي هدى فكفى، و أعطى فأغنى، إن اللَّه بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، و العلم شريد، و الإسلام غريب طريد، قد رث حبله، و خلق عهده، و ضل أهله منه، و مقت اللَّه أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم، و لا يصرف عنهم شرا لبشر عندهم، قد غيروا كتابهم، و ألحقوا فيه ما ليس منه، و العرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من اللَّه لا يعبدونه و لا يدعونه، فأجهدهم عيشا، و أضلهم دينا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم اللَّه بمحمد، و جعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، و نصرهم على غيرهم، حتى قبض اللَّه نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) فركب منهم الشيطان مركبه الّذي أنزله عليه، و أخذ بأيديهم، و بغى هلكتهم وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم و بعيرهم، و لم يكونوا في دينهم- و إن رجعوا إليه- أزهد منهم يومهم هذا، و لم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد و كلكم إلى المولى الكافي، الّذي وجده ضالا فهداه، و عائلا فأغناه وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها الآية، و اللَّه لا أدع أن أقاتل على أمر اللَّه حتى ينجز اللَّه وعده، و يوفى لنا عهده، و يقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة، و يبقى من بقي منها خليفته و ذريته في أرضه، قضاء اللَّه الحق، و قوله الّذي لا خلف له وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الآية، ثم نزل* و قال الحسن و قتادة و غيرهما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ الآية، قالوا: المراد بذلك أبو بكر و أصحابه، في قتالهم المرتدين، و مانعي الزكاة* و قال محمد بن إسحاق: ارتدت العرب عند وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما خلا أهل المسجدين، مكة، و المدينة، و ارتدت أسد و غطفان و عليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن، و ارتدت كندة و من يليها، و عليهم الأشعث بن قيس الكندي، و ارتدت مذحج و من يليها، و عليهم الأسود بن كعب العنسيّ الكاهن، و ارتدت ربيعة مع المعرور ابن النعمان بن المنذر، و كانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب* و ارتدت سليم مع الفجأة، و اسمه أنس بن عبد يا ليل، و ارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة* و قال القاسم بن محمد:
اجتمعت أسد و غطفان و طيِّئ على طليحة الأسدي، و بعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس، فحملوا بهم إلى أبى بكر، على أن يقيموا الصلاة و لا يؤتوا الزكاة، فعزم اللَّه لأبى بكر على الحق و قال: لو منعونى عقالا لجاهدتهم، فردهم فرجعوا إلى عشائرهم، فأخبروهم بقلة أهل المدينة، و طمعوهم فيها، فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة، و ألزم أهل المدينة بحضور المسجد و قال: إن الأرض كافرة، و قد رأى وفدهم منكم قلة، و إنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا، و أدناهم