البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٢ - خلافة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه و ما كان في أيامه من الحوادث و الأمور
قالا: ثنا بندار بن يسار، ثنا أبو هشام المخزومي، ثنا وهيب، ثنا داود بن أبى هند، ثنا أبو نصرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و اجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، و فيهم أبو بكر و عمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أ تعلمون أنا أنصار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم و لو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبى بكر و قال: هذا صاحبكم فبايعوه، فبايعه عمر، و بايعه المهاجرون و الأنصار، و قال:
فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، قال: فدعا الزبير فجاء قال: قلت: ابن عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فدعا بعلي بن أبى طالب قال: قلت: ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين، قال: لا تثريب يا خليفة رسول اللَّه فبايعه، هذا أو معناه قال الحافظ أبو على النيسابورىّ: سمعت ابن خزيمة يقول: جاءني مسلّم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة و قرأت عليه، فقال: هذا حديث يساوى بدنة، فقلت: يسوى بدنة، بل هذا يسوى بدرة* و قد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا، و أخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلّم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم* و روينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب عن على بن عاصم عن الحريري عن أبى نصرة عن أبى سعيد فذكره مثله في مبايعة على و الزبير رضى اللَّه عنهما يومئذ* و قال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبى أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمرو أن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر و اعتذر إلى الناس و قال: و اللَّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما و لا ليلة، و لا سألتها اللَّه في سر و لا علانية، فقبل المهاجرون مقالته، و قال على و الزبير ما إلا لأننا أخرنا عن المشورة، و إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، و إنا لنعرف شرفه و خيره، و لقد أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالصلاة بالناس و هو حي، و هذا اللائق بعلي رضى اللَّه عنه و الّذي يدل عليه الآثار من شهوده معه الصلوات، و خروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كما سنورده، و بذله له النصيحة و المشورة، بين يديه، و أما ما يأتى من مبايعته إياه بعد موت فاطمة، و قد ماتت بعد أبيها (عليه السلام) بستة أشهر، فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث و منعه إياهم ذلك بالنص عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قوله: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، كما تقدم إيراد أسانيده و ألفاظه و للَّه الحمد* و قد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الّذي أفردناه في سيرة الصديق رضى اللَّه عنه و ما أسنده من الأحاديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ما روى عنه من الأحكام مبوبة على أبواب العلم و للَّه الحمد و المنة، و قال سيف بن عمر