البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥١ - خبر وقعتي الحصيد و المضيّح
الأسارى، إلا أسارى بنى كلب فأن عاصم بن عمرو و الأقرع بن حابس، و بنى تميم أجاروهم، فقال لهم خالد: ما لي و ما لكم أ تحفظون أمر الجاهلية و تضيعون أمر الإسلام؟ فقال له عاصم بن عمرو: أ تحسدونهم العافية و تحوّذونهم الشيطان، ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه، و اقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة، و سبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد، و اشترى خالد يومئذ ابنة الجودي، و كانت موصوفة بالجمال، و أقام بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار، ثم رجع خالد إلى الحيرة، فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس، فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه: مر بنا فهذا يوم فرح الشر.
خبر وقعتي الحصيد و المضيّح
قال سيف عن محمد و طلحة و المهلب قالوا: و كان خالد أقام بدومة الجندل فظن الأعاجم به و كاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه، و قصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزبرقان، و هو نائب خالد عليها، فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب إلى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أعبد ابن فدكي السعدي و أمره بالحصيد و بعث عروة بن أبى الجعد البارقي و أمره بالخنافس، و رجع خالد من دومة إلى الحيرة و هو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى، لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبى بكر الصديق، و شغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه، فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس، فالتقوا بمكان يقال له الحصيد، و على العجم رجل منهم يقال له روزبه، و أمده أمير آخر يقال له زرمهر، فاقتتلوا قتالا شديدا، و هزم المشركون فقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا، و قتل القعقاع بيده زرمهر، و قتل رجل يقال له عصمة بن عبد اللَّه الضبيّ روزبه، و غنم المسلمون شيئا كثيرا، و هرب من هرب من العجم، فلجئوا إلى مكان يقال له خنافس، فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي، فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح، فلما استقروا بها بمن معهم من الأعاجم و الأعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود، و قسم الجيش ثلاث فرق، و أغار عليهم ليلا و هم نائمون فأنامهم، و لم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة، و قد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال: انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري، و حوله بنوه و بناته و امرأته، و قد وضع لهم جفنة من خمر و هم يقولون: أحد يشرب هذه الساعة و هذه جيوش خالد قد أقبلت؟ فقال لهم: اشربوا شرب وداع فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، فشربوا و جعل يقول:
ألا يا اسقيانى قبل نائرة الفجر* * * لعل منايانا قريب و لا ندري
القصيدة إلى آخرها، قال: فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فإذا هو في جفنته، و أخذت