البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - قصة سجاح و بنى تميم
بأموال الصدقات إلى الصديق، و منهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، و هي من نصارى العرب، و قد ادعت النبوة و معها جنود من قومها و من التف بهم، و قد عزموا على غزو أبى بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بنى تميم دعتهم الى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، و كان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، و عطارد بن حاجب، و جماعة من سادات أمراء بنى تميم، و تخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، الا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، و حرضها على بنى يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، و قالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، و استعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم:
أتتنا أخت تغلب في رجال* * * جلائب من سراة بنى أبينا
و أرست دعوة فينا سفاها* * * و كانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالا* * * و ما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم و ضلت* * * عشية تحشدون لها ثبينا
و قال عطارد بن حاجب في ذلك:
أمست نبيتنا أنثى نطيف بها* * * و أصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة، لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب، فهابه قومها، و قالوا: إنه قد استفحل أمره و عظم، فقالت لهم فيما تقوله: عليكم باليمامة* دفوا دفيف الحمامة* فأنها غزوة صرامة* لا تلحقكم بعدها ملامة* قال: فعمدوا لحرب مسيلمة، فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده، و ذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال، و قد ساعده عكرمة بن أبى جهل بجنود المسلمين، و هم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي، فبعث إليها يستأمنها و يضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الّذي كان لقريش لو عدلت، فقد رده اللَّه عليك فحباك به، و راسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه، فركب اليها في أربعين من قومه، و جاء إليها فاجتمعا في خيمة، فلما خلا بها و عرض عليها ما عرض من نصف الأرض، و قبلت ذلك، قال مسيلمة: سمع اللَّه لمن سمع، و أطمعه بالخير إذا طمع، و لا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع، رآكم ربكم فحياكم، و من وحشته أخلاكم، و يوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء و لا فجار، يقومون الليل و يصومون النهار لربكم الكبار، رب الغيوم و الامطار* و قال أيضا: لما رأيت وجوههم حسنت، و أبشارهم صفت و أيديهم طفلت، قلت لهم: لا النساء تأتون، و لا الخمر تشربون، و لكنكم معشر أبرار تصومون، فسبحان